كتاب 11

01:34 مساءً EET

البيض والزيتون وعاصفة التخويف

«عاصفة التخويف» تكتيك في استراتيجية معركة الاستفتاء حول الاتحاد الأوروبي. استخدم البعض operation scaremongering «عملية تجارة الخوف»؛ scaremonger تاجر التخويف، بتحوير warmonger أو تاجر الحرب.
ولأن البريطانيين بنوا إمبراطورية بالتجارة (وصفهم نابليون بأمة من أصحاب المتاجر الصغيرة)؛ فقد تحولت التجارة من صادرات تباع أو أسهم في البورصة وتجارة المال والاستثمارات إلى قلب المشكلة التي قسمت الأمة شعبا، وصحافة وطبقة سياسية وأحزابا، خاصة «المحافظين» الحاكم، حول استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي. بل أصبح الخلاف حول مدى مصداقية ادعاء رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بحصوله على «اتفاق بالإصلاح» من المجلس الأوروبي.
ناقشت في هذا العمود خداع الساسة للشعوب. فبريطانيا عندما صوتت في استفتاء عام 1975 صادقت رسميا على خطوة يناير (كانون الثاني) 1973 بمشروع الدخول في «سوق مشتركة» رحب بها البريطانيون، باعتبارها تفتح سوقا جديدة للاستفادة من تسهيل مرور البضائع والأفراد؛ ولم تطرح أبدا للجدل مسألة تحول السوق إلى ولايات متحدة أوروبية. لكن الوحش البيروقراطي الضخم غير القابل للترويض في بروكسل في غياب آليات المحاسبة الديمقراطية للمفوضية التي تصدر القرارات تجعل النموذج اليوم أقرب إلى الاتحاد السوفياتي السابق وليس الولايات المتحدة.
بعد كشف الشعوب الأوروبية للعبة ماطلت حكوماتها المتعددة في إجراء الاستفتاء. وكانت مارغريت ثاتشر بالنسبة لبريطانيا، سدا يحول دون اندفاع تيار فيضان الوحدة الأوروبية ليغرق سيادتها واستقلالية قرارها السياسي وحرية تجارتها العالمية.

انهار السد برحيلها عن الحكم (نوفمبر/ تشرين الثاني 1990). خدعة جون ميجور وتنازله عن سيادة القرار البريطاني في معاهدة ماستريخت، ثم تضليل توني بلير للبرلمان والشعب في معاهدة لشبونة، فتحا الطريق أمام طوفان يغرق بريطانيا في اتحاد سوفياتي أوروبي جديد. طالب الناس بسفينة نوح فلم يكن أمام كاميرون إلا تقديمها بالوعد باستفتاء لمساعدته على الفوز في انتخابات 2015.
حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي، تمولها الشركات متعددة الجنسية، طمعا في عمالة رخيصة من شرق أوروبا كتجارة العبيد في القرنين الـ17 والـ18 لتشغيل مشاريع العالم الجديد (الفارق اليوم تقنين الاستغلال ووجود رعاية اجتماعية يمولها دافع الضرائب في بريطانيا وألمانيا لا الشركات). بينما يوفر الاتحاد الأوروبي للشركات متعددة الجنسية فرصة تسجيل أفرعها في عواصم مختلفة لتحقيق أقصى الأرباح، ودفع أقل نسبة ضرائب كما فعلت «غوغل» التي لم تخرق أي قوانين. بلغ دخلها في العام الماضي فقط ثمانية مليارات دولار من بريطانيا وحدها. لكن، كشركة في السجل التجاري الإنجليزي، دفعت لمصلحة الضرائب البريطانية 130 مليون جنيه فقط عن دخل سبع سنوات عبر تسجيل فروعها في شركات تحتية في عواصم أوروبية. تصدر الفاتورة في أمستردام أو بروكسل، وتحصلها شركة في آيرلندا عبر بنك إسباني يحول أرباحه إلى لوكسمبورغ. ولهذا انضم عدد من الاتحادات العمالية إلى حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي.
عملية تجارة التخويف سلاح الحملة الممولة من الاحتكارات تروج بروباغندا بأن مغادرة الاتحاد الأوروبي ستحول بريطانيا إلى صورة من قصيدة ت.س. إليوت «الأرض الخراب» والإنجليز يسيرون كأشباح موتى فوق جسر لندن، نحو حديقة خراب زرعت فيها الجثث لتنبت المحصول الجديد.
هل كاميرون النسخة البليرية في حزب المحافظين، ويراوغ مظهرا موقفا وطنيا، بينما باطنا يريد البقاء خاضعا لأوتوقراطية البيروقراطية الأوروبية؟
أم أن إدارته للمفاوضات وتوقيت كشفه الأوراق مع الاتحاد الأوروبي يجب تدريسها في العلوم السياسية كنموذج لما يجب ألا يتبعه المفاوض ليتجنب الخسارة؟
لو كان كاميرون أجرى استفتاء بصيغة «إذا لم يطبق الاتحاد الأوروبي الإصلاحات المقدمة، هل نبقى أم نخرج؟». وذهب بالنتيجة إلى المفاوضات لكان أرغم الآخرين على قبول شروطه.
يعمل في بريطانيا ثلاثة ملايين أوروبي يحولون مدخراتهم وإعاناتهم الاجتماعية إلى 16 بلدا فقيرا اقتصاديا، سبعة منها تتلقى دعما ماديا من خزينة بروكسل التي تدفع بريطانيا إليها 80 مليون دولار يوميا. لن تجازف حكومات الـ16 بلدا بأرزاق عمالها، إذا اقتنعوا أن رفضهم الإصلاحات سيخرج بريطانيا من الاتحاد.
مطالب الإصلاح كانت تقليم مخالب البيروقراطية، وإعادة السيادة إلى برلمان وستمنستر ليلغي القوانين واللوائح التي أضرت ببريطانيا، وإعادة سيادتها على حدودها (تحديد نوعية وعدد المهاجرين) وحماية السوق المالية اللندنية، ورفض مشروع الفيدرالية السوفياتية الملامح.
بدلا من إعادة السيادة إلى برلمان وستمنستر، حصل كاميرون على وعد (بلا توقيع وثائق أو تعديلات بنود معاهدتي لشبونة وماستريخت) بإمكانية الاعتراض على القوانين المستقبلية ضمن مجموعة لا تقل عن 16 بلدا أوروبيا.
فاوض كاميرون على منع المهاجرين الأوروبيين المستقبليين من الحصول على ضمانات اجتماعية كمنحة إعانة للأسر في بلدانهم الأصلية، حتى يعملوا في بريطانيا أربع سنوات. (16 في المائة فقط من المهاجرين يحصلون على الضمان الاجتماعي حسب أرقام مصلحة الضرائب).
اخترع بندا تفاوضيا (لم يكن مطلبا شعبيا) لا يشكل عبئا يذكر على الميزانية البريطانية في معركة «دون – كيشوتية» مع زعماء البلدان التي يأتي منها المهاجرون.
كإرسالك ولدك لشراء البيض فقضى اليوم كله يفاوض البقال على تخفيض سعر الزيتون، ليعود متباهيا بنجاحه بينما اشترى البيض بثمن باهظ.
لهذا انضم ساسة الوزن الثقيل لمعسكر الخروج. السير مايكل هاوارد، زعيم المحافظين السابق والأب الروحي سياسيا لكاميرون، قال إن مفاوضات كاميرون أثبتت عدم قابلية الاتحاد الأوروبي للإصلاح، ويجب الخروج منه لإعادة التفاوض من موقف قوي.
كذلك اللورد لاوسون وزير المالية السابق، وبقية الجناح الثاتشري في حزب المحافظين. اللورد ديفيد أوين المعروف بنزعته الأوروبية كوزير للخارجية في حكومات عمالية متعددة في الستينات والسبعينات، وانفصل عن «العمال» عم 1980 لمناهضتهم «التجمع الأوروبي» مؤسسا «الديمقراطيين الاشتراكيين» المؤيدين للتعاون الأوروبي المشترك، انضم الأربعاء لتيار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي «الآيل للسقوط».
وزير العدل، مايكل غوف، صديق شخصي لكاميرون وأكثر الوزراء ولاء له، قال إنه لا توجد ضمانات لتنفيذ الوعد المحدود، ويمكن للمحكمة الأوروبية تعطيل تنفيذه حتى ولو حصل على موافقة البرلمان الأوروبي التي استبعدها رئيسه مارتين شولتز.
هنا يظهر في فيلم معركة الاستفتاء «وحش الشاشة» (شخصية فريد شوقي في الأفلام الكلاسيكية المصرية) منتصرا لجماعة الخروج عن الاتحاد الأوروبي. عمدة لندن، بوريس جونسون، صديق كاميرون وزميل الدراسة. شخصية جذابة مرحة يجيد التعامل مع الصحافة والجرسونات وبائعي الأسواق وهو يجوب لندن بدراجته. يتمتع بروح الدعابة وابن نكتة وخفيف الدم متحديا لكاميرون الذي يزداد «دمه ثقلا» في ميزان الصحافيين. وثقل الدم هو كعب أخيل السياسي في بريطانيا.

التعليقات