كتاب 11

02:07 مساءً EET

الحذاء في صورتيه

في مصر ظاهرة اسمها توفيق عكاشة، ولا وصف محددًا لها. وليس ذلك ضروريًا. والسيد عكاشة يحمل صفات كثيرة، منها ظهوره التلفزيوني، حيث يقول عادة كل ما يخطر له، وكل ما لا يخطر لك. أو لأحد. وله صفة العضوية في مجلس الشعب، حيث يبدو أنه أهم قضية تشغل برلمان سعد زغلول في أيام بلا سعد زغلول. ولا حاجة للتذكير بأنها أيام عصيبة على الجميع.
لأسباب كثيرة، منها الوقت وأولويات الحياة. لم يحدث أن تابعت ما يقول السيد عكاشة، لكن لا يمكن لك أن تتابع صحافة مصر كل يوم من دون الوقوع في أخباره. آخرها كان استقباله سفير إسرائيل في منزله مع «الوفد المرافق»، من أجل، طبعًا، أن يشرح له القضية.
أدى ذلك إلى ردود فعل كثيرة منها إقدام النائب كمال أحمد على ضرب النائب توفيق عكاشة في برلمان سعد زغلول، بالحذاء. وقد أصبح للحذاء العربي أدوار ومهام كثيرة منذ أن أقدم الصحافي العراقي منتظر الزيدي على رمي جورج دبليو بوش بحذائه (فردتين)، خلال مؤتمر صحافي في بغداد.
ما من عربي أضنته ظاهرة جورج دبليو مثلي. لكن الرشق بالحذاء كان إهانة للعقل العربي. الصحافي يجب أن يعبر بقلمه. والحذاء ليس قلمًا. والغريب هو اللجوء إلى التعبير بالحذاء في أقصى لحظات الغضب أو أقصى لحظات الرضا على السواء. فالإعلامية التونسية المعروفة كوثر البشراوي لم تجد وسيلة للتعبير عن موقفها في الصراع السوري، سوى الجلوس أمام الكاميرا هذه المرة لتقبل بعاطفة مؤثرة وشوق واضح، «جزمة» جندي سوري، من دون تحديد هوية المصدر: هل هي «جزمة» من الجولان أم من حلب؟ التفصيل غير مهم في القضايا الكبرى.
الحقيقة أن استخدام الحذاء كأداة تعبير في الإعلام والبرلمانات، ليس مواتيًا تمامًا. يُفترض في الأستاذ كمال أحمد أن يلقي خطابًا تاريخيًا يعيد فيه إلى الأذهان ذكرى برلمانيي مصر. أما الضرب واللكم والحذاء، فليست من تقاليد البرلمانات، أو أصولها. الحقيقة ليست من تقاليد أحد، حتى مصانع الأحذية.
ما بين سلوك النائب عكاشة، وسلوك النائب أحمد، أنا حزين على مستوى الضوابط في مصر. فحتى لحظة الحذاء كان السيد عكاشة مجرد ظاهرة ملهية بنفسها، ومسلية في أوقات الفراغ الشديد. لكن أن يتحوّل البرلمان من منابر وطنية إلى أحذية، فهو نزول من أعلى إلى أسفل.

التعليقات