كتاب 11

03:38 مساءً EET

التليفون المحمول والديمقراطية

يدور صراع بين مؤسسة أبل وأجهزة الأمن الأميركية حول سرية وخصوصية المعلومات في أكثر أجهزة التليفون المحمول (الجوال) نجاحًا I – phone وساحة هذه المعركة هي المحاكم والقضاء الأميركي.
في بريطانيا تخوض وزيرة الداخلية تريزا ماي معركة في البرلمان ومع الرأي العام لإصدار قانون يمنح أجهزة الأمن صلاحيات التجسس والتنصت على المكالمات والمراسلات ووسائل التواصل الاجتماعي بحجة مناهضة الإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة واستهداف شبكاتيهما للوقاية قبل وقوع الجريمة.
بجانب أشهر المؤسسات الديمقراطية وأقدمها، مجلس العموم البريطاني، تستشهد ماي أيضًا بالقضاء المستقل كمرجع لإقناع الرأي العام ومجلسي البرلمان، أن القضاء سيكون صمام الأمن والحماية من تجاوزات الأمن إذا صوت البرلمان وصدر قانون يجيز للحكومة التجسس على مراسلات المواطنين ومكالماتهم.
وهناك جدل ثالث حول التعامل مع أفراد (وأحيانا مع تيار أو جماعة أو حزب) في حالة إنشاء حساب على موقع تواصل اجتماعي كـ«فيسبوك» أو «تويتر» باسم مستعار لا حقيقي لأغراض غير حميدة. مكتب النائب العام في بريطانيا والمؤسسات الحكومية تحاول صياغة لائحة في إطار القانون. هناك قوانين موجودة تمكن النيابة من مقاضاة أصحاب الأسماء المستعارة، لكن تجد صعوبة في إقناع القضاة والمحلفين (تحت القانون الحالي) بوجود نية مبيتة عند إنشاء الصفحة. ضحايا الظاهرة وتيار معتبر في الحكومة يريد تعديل القوانين (بحذف إثبات سوء النية المبيت) لتصبح رادعًا لفتح حساب تواصل اجتماعي لغرض خبيث. لا توجد معارضة إلا من جماعات الدفاع عن حرية التعبير، ومع ذلك تدور مشاورات واسعة ودقيقة بين المحامين والقضاء وجمعيات حقوق الإنسان لغرض إقناع المشرعين أي البرلمان لتعديل القانون.
العوامل المشتركة بين الحالات الثلاث ترتكز لقاعدتين؛ الأولى حرية الفرد وفروعها من حرية التعبير وحق الإنسان في الحرية وأي متهم بريء حتى تثبت إدانته في محكمة مستقلة بأدلة لا تدع مجالاً للشك، أساس الحرية، كمادة خام قدمتها الماغنا كارتا قبل 800 عام.
القاعدة الأخرى حكم القانون ودعمه بأدوات ومفصليات تضمن سيادته وتطبيقه على الجميع بمساواة بلا استثناءات.
ومهما بلغت قوة الحكومة أو الدولة ومهما بلغت شعبية الحاكم حتى ولو في إطار ديمقراطي منتخب بنسبة 99.9 في المائة (وهو أمر لم يحدث إلا في المنطقة العربية وحتى هتلر نفسه لم ينتخب إلا بالثلثين في 1933 فالنجاح الكاسح لفرد أو حزب في انتخابات حرة لا يتجاوز في أفضل الحالات 55 في المائة) فلا تستطيع هذه الحكومة أو زعيمها المحبوب إصدار قوانين أو لوائح أو «قرار جمهوري» على مزاجها.
ويذكر جيلي ما حدث في خمسينات القرن الماضي في مصر وعدد من البلدان العربية وفي أفريقيا وأميركا اللاتينية إثر حركات «مباركة» أغلبها عسكرية: صدرت قرارات «إصلاح» بتأميم وسائل إنتاج من أراض زراعية وصناعات، والتوحد مع بلدان أخرى وفصل أقاليم البلد الأصلي وخوض حروب كلها «بقرار جمهوري» فردي دون المرور بالبرلمان أو استشارة المختصين وفقهاء القانون.
صدور قانون في الديمقراطيات legislation process يمر بسلسلة تشريعية طويلة معقدة.
وجذور الأزمة الحالية بين بريطانيا، أعرق الديمقراطيات، والاتحاد الأوروبي، تناقض طريقة «القرار الجمهوري» للمفوضية الأوروبية في إصدار القوانين، مع أسلوب التشريع الذي طوره الإنجليز عبر 600 عام.
ومهما حسنت نوايا صاحب الفكرة وراء إصدار قانون جديد، حتى ولو بدا في ظاهره كسحابة تمطر رخاء على الأمة، فإنه من غير الحكمة المضي في التشريع بلا دراسة كل الجوانب والمرور عبر سلسلة معقدة من الاختبارات القانونية، ثم مناقشات في مجلسي البرلمان، النواب (العموم في حالة وستمنستر بريطانيا والنواب في حالة الكونغرس الأميركي) ثم الشيوخ (اللوردات في وستمنستر والسيناتورات في كابيتول هيل بواشنطن). عملية طويلة ومعقدة نتيجة تراكم خبرة سنوات وأجيال (منذ إجبار الملك جون توقيع الماغنا كارتا في 1215). وكم من قانون صدر وبدا في ظاهره جيدًا ثم ثبت مع التجربة أو عند التطبيق أن أضراره أكثر من نفعه، أو استحالة وضعه موضع التطبيق عبر وكالات تطبيق القانون كالبوليس، أو تناقض القانون الجديد مع التقاليد القضائية مما يشل المحاكم أو يثقل العمل فيها لدرجة تعطيل العدالة. وهناك قوانين وجد القضاة استحالة الفصل بمقاييسها. ولهذا يناقش المشرعون في البرلمان كل الجوانب والاحتمالات التي قد تظهر عند تطبيق القانون قبل الشروع حتى في صياغته، وهي مهمة لجان كثيرة، وكم من مشروع قانون bill صوت مجلس العموم بقبوله ثم ناقشه مجلس اللوردات ورفض التصديق عليه (لا بد من تصديق اللوردات على مشروع القانون قبل رفعه إلى الملكة لتصدق عليه بتوقيعها ليصبح قانونا Act وأعاده إلى مجلس العموم لتعديل فقرات فيه.
بل هناك حالات رفضت الملكة فيها توقيع القانون بعد أن اكتشفت فيه بحكمتها وخبرتها الطويلة (63 عاما، و22 حكومة حكم خلالها 12 رئيس وزارة منذ السير ونستون تشرشل) تناقضات وثغرات فأعادته إلى البرلمان لتعديله.
مشروع قانون وزيرة الداخلية والتي تسميه الصحافة «لائحة الجواسيس» يلقى معارضة شديدة من مؤيدي الحرية الفردية libertarian الليبرتيين (ولا يجب الخلط بينهم وبين الليبراليين) الذي يحذرون من منح الحكومة وأجهزتها صلاحيات واسعة بدلاً من تقليصها. أكثر المعارضين من نواب الحزب الحاكم المحافظين يضربون أمثلة بقوانين أساءت الحكومات المحلية استغلالها لأغراض بيروقراطية كالتجسس مثلاً على مواطنين أبرياء استخدموا عنوان الجد أو الجدة، لتسجيل طفل في مدرسة قريبة؛ أو استخدام الشرطة قوانين مكافحة الإرهاب لتحصيل مخالفات المرور لكسلها في جمع الأدلة.
أما صراع شركة أبل مع الحكومة الأميركية فهي رفضها إدخال تعديلات على برنامج تشغيل software لتليفون iphone يمتلكه متهم بالقتل، وهو مجرم حقيقي تريد الشرطة معرفة أسرار تليفونه. مؤسسات كـ«فيسبوك» و«تويتر» و«أمازون» و«ميكروسوفت»، أعلنت تأييدها وتضامنها مع أبل والمشاركة في أتعاب المحاماة والرسوم القضائية إذا تطلب الأمر.

وقد تبدو النوايا طيبة طالما أنها تنتهي بوضع مجرم خطير وراء القضبان حماية للمجتمع لكنّ هناك جانبًا مظلمًا، إذ يقول محامي أبل، من الناحية العملية، التليفون الذكي المحمول خزانة أسرار متنقلة وسكرتارية خصوصية للفرد؛ وتصميم برنامج تشغيل يفك رموز وشفرات المحمول الخاص بالفرد، سيمكن hackers أو محترفي اختراق البرامج من سرقة معلومات مئات الآلاف من الناس وأسرارهم وحساباتهم المصرفية وتعريض أطفالهم للخطر.
والأهم أن هذه المؤسسات (يدعمها في ذلك الليبرتيون والديمقراطيون) تحمي مبدأ أساسيًا في الديمقراطيات الغربية والمجتمعات الحرة؛ مبدأ حرية الفرد وحماية خصوصيته من تسلط الحكومة.

التعليقات