كتاب 11

01:01 مساءً EET

مكتبة البرج

كان غسان تويني مفتونًا بكل ما يذكّره بلبنان الذي عرفه. ولبنان الذي عرفه كان مدنًا وقرى صغيرة. وكل مدينة أو قرية فيها «ساحة». وفي هذه الساحة يلتقي جميع السكان. وأجمل وأهم ساحات لبنان كانت «ساحة البرج»، قلب بيروت. فيها كانت فنادق العاصمة وقيادة الشرطة. ونصب الشهداء، ومحطات الباصات القادمة من المناطق، ومحطة الترامواي الموزِّعة. وفيها يتجمع باعة الصحف بأعلى أصواتهم. ومن حولها دور المسارح والسينما. ومن حولها أسواق اللحوم والخضار ودور الصحف.
عندما أنشأ غسان تويني دارًا كبرى لـ«النهار» «عاد» بها إلى ساحة البرج. وفي الطابق الأرضي من المبنى، أنشأ مكتبة حضارية سماها «البرج». ثم أصدر عن «دار النهار للنشر» مجلدًا رائعًا عن ساحة «البرج» شارك فيه كبار الكتّاب والمؤرخين والرسامين، نفدت نسخ الطبعة الأولى والثانية منه، وللأسف، لم تصدر طبعات أخرى.
الأسبوع الماضي أعلنت شادية غسان تويني نبأ صعبًا عليها وعلى أولئك الذين كانوا يعدون زيارة مكتبة البرج جزءًا ممتعًا من حياتهم في بيروت. المكتبة، مثل جمالات كثيرة أخرى، سوف تغلق أبوابها. مَعلم آخر في وسط بيروت، يترك الساحة للفراغ. الوسط الذي كان يلتقي فيه اللبنانيون والعرب بدأ في النزع منذ أن احتله «حزب الله» وحزب التيار العوني تحت شعار «الاعتصام». وقد استمر ذلك «الاعتصام» عامين، نسي خلاله الناس «الوسط»، وتذكروا فقط كلمة تاريخية قالها في نهايته النائب العوني نبيل نقولا: «كان الاعتصام انتصارًا للعروبة». ولا تزال عروبة نبيل نقولا تحقق الانتصار بعد الآخر في الساحة التي تُعتبر أجمل تجمع عمراني في الشرق. آخر تلك الانتصارات، إغلاق مكتبة «البرج»، أسوة بالمحلات الخالية والأسواق المهجورة وأبواب الرزق المغلقة.
كان غسان تويني يؤمن بأن إعادة الحياة إلى الوسط إعادة لصيغة لبنان. ورأى في ساحة البرج رمزًا تاريخيًا عندما يلتقي فيه اللبنانيون ينسون من أين أتوا، ويتذكرون فقط أنهم في ملقى واحد. لكن انتصارات العروبة التي صار يمثلها الآن نائب المتن نبيل نقولا، لها رأي ورؤية أخرى. ذلك هو الفارق بين نظرة غسان تويني إلى البلد الذي أحب وبين انتصارات «العروبة»: بلد مقفر ومكتبات تغلق.

التعليقات