كتاب 11

12:06 مساءً EET

سوء تفاهم

أفدح أخطاء رجل السياسة، خاصة في البلدان الديمقراطية التي تنتخب حكوماتها، هو سوء فهم المشاعر العميقة المتراكمة في الذاكرة الجماعية للشعب. وتتضاعف الآثار السلبية لقصور الفهم بتقدم التكنولوجيا الحديثة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي (وهي لحداثتها النسبية يصعب اتخاذها كمقياس حقيقي للرأي العام لأنها تختلف كمًّا ونوعًا عن الصحافة التقليدية) وغيرها من الوسائل الحديثة التي تعطي المؤشرات الخاطئة.
والدرس من الانتخابات النيابية في مايو (أيار) 2015 حيث ظلت كل الاستطلاعات في بريطانيا تشير إلى أنها ستنتهي ببرلمان معلق (أي لا يحصل فيه أي حزب على 326 مقعدًا أي النصف زائد واحد كأغلبية في مجلس العموم) وبدأ الساسة، في الحزبين الكبيرين، العمال والمحافظين، يجرون حساباتهم حول تشكيلات حكومة ائتلافية مع الأحزاب الصغرى.
وكانت مفاجأة للمراقبين والصحافة (خاصة التلفزيونية) عندما انتخب الشعب حزب المحافظين بأغلبية مريحة مكنتهم من تشكيل حكومة محافظة بمفردهم. الخطأ الذي وقعت فيه المؤسسة السياسية بما فيها الصحافة هو الاعتماد على وسائل القياس الحديث لاستطلاعات الرأي عبر الإنترنت والمواقع وهي وضع علامات في مربعات أمام أسئلة مبسطة (كخيارات ميكروسوفت وغيرها من البرامج، التي صممت لعصر الاستهلاك والتسويق وقياس ما يفضله المستهلك).. هل تفضل كذا وكذا أم ترفض كذا وكذا؟ بدلاً من استمارات استطلاع الرأي القديمة عندما كان يقف شاب أو شابة بمؤهلات جامعية في علوم الإحصاء والاجتماع والسياسة أمام محطة قطار أو أمام مبنى شركة أو في ميدان عام ويقضي ما بين خمس إلى عشر دقائق مع كل مواطن يستوقفه من عينة من الناخبين.
الحملتان الانتخابيتان في 2010 و2015 شهدتا تقليعة غريبة على بريطانيا.. تقليعة مستوردة من أميركا هي المناظرة التلفزيونية؛ الأولى في عام 2010 التي أحدثت بلبلة في الرأي العام وتشوهًا في خطوط خريطته أدت إلى صعود نجم شاب قليل الخبرة بالعمل السياسي هو نيقولاس كليغ زعيم الديمقراطيين الأحرار وكانت النتيجة برلمانًا معلقًا وحكومة ائتلافية بين كليغ وزعيم المحافظين ديفيد كاميرون.
في عام 2015 تآمر مديرو المحطات التلفزيونية (بما فيها «بي بي سي» رغم تمويلها المباشر من الشعب) لإجبار زعماء الأحزاب على المناظرات التلفزيونية رغم نصيحة العقلاء بأنها تتبع أجندة إدارات التسويق في شبكات التلفزيون لترويج المشاهدة وليست الأولويات التي تهم المواطن ومصالحه.
وكما هو متوقع تبع الباحثون والإحصائيون العاملون في مؤسسات استطلاع الرأي الخط نفسه من الأجندة التي بدت وكأنها أولويات البريطانيين وحاجاتهم من الحكومة المقبلة؛ خاصة أن مؤسسات الاستطلاع توفر الإنفاق بتوظيف طلاب وشباب كل خبرتهم هي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وليس الواقع العملي على الأرض. الصحافيون العواجيز من أصحاب الخبرة الذين تجولوا مع المرشحين في الدوائر الانتخابية واستمعوا لمناقشات المرشح مع الناخب على عتبة الدار أو في الأسواق، اكتشفوا أن أولويات المواطنين وهمومهم في واد، والقضايا التي ناقشها زعماء الأحزاب في المناظرات التلفزيونية (والتي حددها مديرو البرامج الإخبارية، كالبيئة والسياسة الخارجية والمساواة بين الجنسين… إلخ) في واد آخر.
زعيم المحافظين كاميرون في العام الماضي بدا وكأنه فهم الشعور العام للمواطنين (أو نصحه البعض) ورفض حضور المناظرة التلفزيونية الأخيرة التي سبقت الانتخابات وظهر فيها سبعة من زعماء الأحزاب الأخرى الذين نفر الناخب منهم وكانت النتيجة فوزه بالانتخابات.
اليوم يبدو المستر كاميرون وكأنه في طريقه لارتكاب أفدح الأخطاء بسوء تقديره للمشاعر والخبرة المتراكمة لدى الشعب حول الاستفتاء بشأن بقاء بريطانيا أو خروجها من الاتحاد الأوروبي. تسرع كاميرون بشحن كل طاقات حكومته للترويج لحملة البقاء في الاتحاد بينما انضم عدد من وزرائه وأصدقائه، وكبار حكماء رجال السياسة البريطانيين من كل الأحزاب، خاصة الشيوخ منهم منذ أيام حكومات هارولد ويلسون وإدوارد هيث، إلى حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي.
ارتكب كاميرون وحكومته خطأً آخر وهو اللجوء لتخويف الشعب بنتائج تشبه الكوارث التوراتية إذا صوت بالخروج من الاتحاد. وركزت المحاولة على أن بريطانيا ستنهار اقتصاديا وماليا وأنها لن تقف على قدميها إذا خرجت من الاتحاد الأوروبي.
وزيادة في التخويف لجأت حكومة كاميرون للاستعانة بأطراف خارجية، معظمها من المستفيدين من الاتحاد الأوروبي للتلويح بتهديدات اقتصادية وأمنية، بل وتهديد وزير الاقتصاد الفرنسي بفتح الطريق أمام آلاف المهاجرين الموجودين في معسكرات قرب ميناء كاليه كي يتدفقوا عبر نفق بحر المانش إلى جنوب إنجلترا.
الحيلة الأولى استفزت كبرياء البريطانيين لأن اقتصاد البلد هو الأفضل في العالم ومكانة بريطانيا لا تزال عظيمة عالميًا وهي مقصد مئات الآلاف الذين يعبرون أوروبا كلها بقصد الوصول إلى بريطانيا، لكن تهديدات حكومة كاميرون تنقص من ثقة الأسواق في اقتصاد البلد ومن مكانته عالميا. أما تهديدات فرنسا وساسة ألمانيا فتزيد من مشاعر الغضب وتحيي الإحساس بمقاومة التهديد الخارجي، وهو ما أخطأت حسابات حكومة كاميرون في فهمه.
ما أثار انتباهي كيف يقدر البريطانيون من أصول عربية والمستثمرون العرب الذين لهم حق التصويت الموقف وأيهما الأفضل بالنسبة لهم، بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أم الخروج منه؟
كما ذكرنا في المقال الماضي الاحتكارات الكبرى والمتعددة ومن في مصلحتهم استغلال العمالة بأجور رخيصة يفضلون البقاء في الاتحاد الأوروبي، أما المواطنون العاديون ومن يخشى على رزقه فمن الأفضل له الخروج من الاتحاد.
لاحظت أن بريطانيين عربًا، خاصة الجيل الأول الذي تعلم وشبّ في بلدان عربية، ينظرون إلى الجدل حول الاتحاد الأوروبي بعدسات عاطفية وليس بعين الواقع وحسابات المصلحة الاقتصادية لهم ولأسرهم.
في محاولة كاميرون وضع ستار دخان أمام المطلب الأول للأمة وهو ضرورة استعادة السيادة والقرار السياسي من بروكسل إلى برلمان وستمنستر، اخترع قضية وهمية وهي التفاوض مع زعماء أوروبا حول تنظيم حصول المهاجرين من الاتحاد الأوروبي على إعانات الضمان الاجتماعي ليدعي الحصول على إصلاحات من الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه إظهار قضية المهاجرين كمحور الجدل الفيصل حول الاستفتاء، بينما يصور دعاة الخروج من الاتحاد على أنهم عنصريون معادون للمهاجرين والأجانب.
للأسف وقع الكثير من العرب في فخ المغالطة السياسية الذي نصبه كاميرون من المنظور العاطفي وتصوروا أنهم (كمهاجرين) سيتعرضون للتهديد كأجانب غير مرغوب في وجودهم في حالة الخروج من الاتحاد الأوروبي ونمو الشعور القومي البريطاني بانتصار التيار الداعي للاستقلال عن بروكسل. تيار تصوره العرب (خاصة الذين لم يندمجوا في المجتمع البريطاني ويستوعبوا أعماق الثقافة والشخصية البريطانية) عنصريًا معاديًا لهم، وهو أبعد ما يكون عن الواقع.

التعليقات