سياحة وسفر

12:26 مساءً EET

زاهي حواس يكتب عن: القرنة.. التاريخ الحي

القرنة قرية مصرية صعيدية تقع في حضن الجبل الذي يتخذ شكل قرن الحيوان أو القمة الهرمية التي تعلو وادي الملوك، ولذلك فقد أطلق الأهالي هذا الاسم على هذه القرية الفريدة التي ارتبط سكانها بوادي الملوك ومقابر الفراعنة وأعمال الحفائر والاكتشافات والمغامرين وتجار الآثار.. وعندما اختار منتوحتب الثاني الدير البحري بالبر الغربي للأقصر لكي يكون مقرا لمقبرته الأبدية، وبالتالي جعل طيبة (الأقصر حاليًا) عاصمة البلاد، وجد فراعنة مصر في العصر الذهبي أي الأسرة الـ18 من الدولة الحديثة 1550 ق.م أن البر الغربي مكان آمن يصلح مقرا لدفن فراعنة وملكات مصر، ودفن كبار الموظفين والنبلاء والفنانين.، ومن خلال المقابر والمعابد والاكتشافات الأثرية التي حدثت بهذه المنطقة نستطيع أن نعرف تاريخ مصر خلال هذه الفترة وتاريخ قرية القرنة الذي ارتبط بكل هذه المغامرات والاكتشافات.
وقد كتب كثير من العلماء عن هذه القرية، أهمهم كارولين سيمبسون التي أرخت قرية القرنة وضمنت ما ورد في كتابات كثير من الرحالة الأوروبيين من أواخر القرن الـ17 وما بعده، ففي عام 1820 قام كثير من الأوروبيين الذين كانوا يعملون هناك بشكل دائم ببناء منازل لهم ولعائلاتهم وأصدقائهم وزوارهم، حيث قام القنصل البريطاني هنري سولت ببناء منزل لواحد من أهم رجاله، وهو جيوفاني أثاناس المعروف بـ«يني»، والذي يعتبر أول منزل حديث ليني بتلال المنطقة من القرن الثامن، وقد بني منزل يني على شكل قلعة صغيرة محاطة بمجموعة من الأبنية، وأسفل المنزل يوجد ضريح الشيخ عثمان والمبني من الطوب اللبن.
وبداية من القرن العشرين، آل هذا المنزل لعائلة لازم وهي عائلة الشيخ عثمان، وفي عام 2000 أصبح المنزل مهجورا وتهدم كثير منه وسكنته امرأة عجوز تربي الطيور، ويبدو أن واحدا من تلك المباني الحديثة والتي تعد نقطة مهمة في تاريخ المباني قد يسمح باختفاء القديم بعد أن هجر الأهالي المنطقة الآن.
أما منزل تاجر الآثار الإيطالي بيثينني بمنطقة دراع أبو النجا فهو ذو حجم صغير ويعتبر أول منزل بني في هذا المكان. وبالإضافة إلى بقايا الدير القبطي الموجود بالمنطقة فقد أظهرت رسومات قام بها المغامر في عام 1820 وجود عدد من المباني الأثرية والتي كانت ذات الطابع القبطي والتي يوجد أحدها بالناحية الجنوبية الشرقية للشيخ عبد القرنة، وهناك لوحة بالمكتبة الوطنية بباريس لويلكنسون ترجع إلى عام 1827، تمثل مجموعة من المنازل لعائلة واحدة، وهذا واضح من خلال صورة فوتوغرافية ترجع إلى عام 1850، وفي أواخر القرن الـ19 تمت إعادة بناء هذه المنازل مرة أخرى، ومن بينها نعرف منزل تادرس أيوب الذي كشف عنه المغامر الإيطالي باريز في أوائل القرن العشرين، وقد تم شراء كثير من المنازل هناك بين أعوام 1970 و1980 على يد عائلة عبد السلام، وأصبح منزل تادرس جزءا من كافيتريا سن نفر ولكنها تهدمت عام 2002.
ومن أهم البيوت المعروفة بتلك المنطقة بيت عائلة عبد الرسول، وهي العائلة التي كانت تعرف أسرار الوادي وكشفوا عن خبيئة المومياوات بالدير البحري وأرشدوا كثيرا من الأثريين عن مقابر جديدة، وقد يكون الصبي الذي عثر على مقبرة توت عنخ آمون واحدا منهم، وقد قابلت الشيخ علي عبد الرسول آخر هؤلاء الرجال وكان شخصية فريدة، وهناك تحدث معي كثيرا عن سر السرداب الموجود بمقبرة سيتي الأول.. وقد بنى محمد عبد الرسول بيتا أبيض جديدا فوق مقبرة أحد الملوك من أجل إخفائها.
التاريخ يبقى لأن الآثار والإنسان قيمة مهمة، ويجب أن نعمل للحفاظ عليه.. إنه التاريخ الحي.

التعليقات