كتاب 11

12:49 مساءً EET

صفقة تركيا فشل جديد لكاميرون في أوروبا

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون متهم، بالتفريط في حقوق بلاده في موقفه المؤيد لمشروع اتفاق المهاجرين مع تركيا التي يتهمها ساسة المدرسة التشرشلية – الثاتشرية (كوزير العدل مايكل غوف أو وزيرة الدولة لشؤون التوظيف الشابة الصاعدة بريتي باتيل؛ أو اللورد نايغل لاوسون وزير المالية في حكومة ثاتشر قبل 30 عاما) بابتزاز بلدان الاتحاد الأوروبي.
نايغل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة، تمنى، كوطني بريطاني لو تمتع كاميرون بمهارة الأتراك في المفاوضات مع بروكسل. فاراج نائب في البرلمان الأوروبي. وحزبه (تأسس عام 1991 كرابطة مناهضة الفيدرالية قبل تغيير الاسم إلى الاستقلال عام 1993) أول منظمة سياسية تسعى لإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. المفارقة أن حزبه في انتخابات 2014 حصل على أكبر عدد من المقاعد (24) المخصصة لبريطانيا في برلمان الاتحاد الأوروبي الذي يسعى الحزب إلى تقويضه أو على الأقل إخراج الأمة منه. مفارقة تلخص الروح البريطانية في المقاومة دون اللجوء للعنف. فقد قرر أغلبية الناخبين البريطانيين رفض الاتحاد الأوروبي ككيان ومفهوم وتجمع إقليمي تنتمي بريطانيا إليه واختاروا المفارقة الساخرة للتعبير عن الموقف.
أخطأ كاميرون بالترحيب «بالصفقة» مع تركيا بشأن المهاجرين (تصر تركيا على تسميتهم لاجئين في تلاعب بالألفاظ لابتزاز الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا وماليًا وسياسيًا) قبل دراسة العواقب.
الترحيب بالمولود قبل اكتمال نمو الجنين لم يعرض كاميرون لمزيد من الانتقادات وفقدان الثقة في بصيرته السياسة فحسب، بل أظهر سلبيات الاتحاد الأوروبي وسحب البساط من تحت أقدام مصداقيته، كرئيس حكومة، في مدى تأثير بريطانيا في قرارات هذا الاتحاد إذا بقيت داخله.
الصفقة التركية باهظة التكاليف اقتصاديًا وماليًا، ومعقدة سياسيًا وقانونيًا (تفتح الباب أمام مشاكل قضائية في القانون الدولي). وهي عمليًا ليست اتفاقًا بين المجلس الأوروبي ككل وتركيا، بل هي ورقة توت لتغطية أخطاء ألمانيا.
مسودة الاتفاق من بنات أفكار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (في لقائها مع زعماء تركيا في أنقرة قبل أسابيع) مما يؤكد أنها الزعيمة الحقيقية التي تفرض سياستها على أوروبا (رافضو الفيدرالية الأوروبية يرون فيها تحقيقًا لمشروع القرن الـ19 للسياسي الألماني بسمارك في السيطرة على كل أوروبا وهو ما لم تستطع ألمانيا تحقيقه بحربين عالميتين) دون أن يكون لبريطانيا أي مساهمة أو قدرة على تعديل التفاصيل.
«صفقة» غريبة كمرض خطير يتألم المصاب به رغم أن الأعراض الجانبية مضحكة في مظهرها. ترتجل الزعيمة الألمانية سياسة لتثبيط عزم المهاجرين عن التدفق على أوروبا بعد أن تسببت تصريحاتها غير المسؤولة (فليأتوا.. أبواب ألمانيا مفتوحة لمليون مهاجر) في هرولتهم نحو بلادها عبر حدود وشواطئ تركيا إلى بلغاريا وجزر اليونان.
الصفقة هي تبادل مهاجرين: إعادة الذين وصلوا بطرق غير قانونية (بالقوارب لليونان أو التسلل عبر حدود بلغاريا) إلى تركيا، لاستبدالهم بأعداد مماثلة من «لاجئين» سوريين حقيقيين (تنطبق عليهم مواصفات لوائح المفوضية المختصة في الأمم المتحدة) من معسكرات اللاجئين في تركيا يذهبون إلى أوروبا.
البند عبثي، فلو افترضنا (وهو ضرب من الخيال) إمكانية إعادة نصف مليون (أي نصف عدد من وصل أوروبا في الأشهر الستة الماضية) فلا بد أن تقبل بلدان الاتحاد الأوروبي عددًا مماثلاً توزعهم مفوضية بروكسل بين البلدان الـ28 وفق حصص ترفض حكومات 21 منها قبولها بينما يرفض الرأي العام في البلدان الـ28 قبول أي مهاجرين.
التحدي القانوني حسب فقهاء القانون هو خرق الاتفاق للقانون الدولي الذي يحظر إعادة لاجئ أو من يطلب اللجوء إلى مناطق فر منها لأسباب أمنية. وللالتفاف على هذه العقبة أفتى زعماء الاتحاد الأوروبي بنظر محاكم قضائية حالة كل مهاجر على حدة يطلب اللجوء قبل ترحيله إلى تركيا وفق معاهدة اللاجئين الدولية لعام 1951. وإذا كانت كل قضية تتكلف ما بين 15 – 20 ألف يورو فليحسب القارئ التكلفة (إلى جانب منحة الإعانة والإقامة لكل لاجئ وأسرته أثناء نظر القضية) والوقت الذي يستغرقه الأمر، ثم الاستئناف إذا لم يعجب المحامي الحكم. ولا يحتاج الأمر لعبقرية آينشتينية لنتوقع أن كل مهاجر سيطلب اللجوء، خاصة أن أكثر من نصفهم غير سوريين يلقون هوياتهم في البحر ويدعون أنهم سوريون.
المفارقة أنه باستثناءات قليلة لم تطرح الملاحظة البديهية وهي أن «اللاجئين» العابرين إلى أوروبا ليسوا فارين من خطر يهدد حياتهم، فهم لم يعبروا من سوريا حيث الحرب الأهلية تدور، بل من تركيا الآمنة.
وحتى كتابة هذه السطور وفي قمة الاتحاد الأوروبي مع رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، أول من أمس، لم يتضح بعد كيفية تنفيذ هذه الإجراءات أو آلية منع مهاجرين من عبور البحر (يوم الجمعة فقط أنقذت السفن اليونانية 1005 مهاجرين من الغرق).
المفارقة الثانية في الثمن الباهظ الذي تطلبه تركيا مما قد يعجل بإنهاء حياة كاميرون السياسية بالتهور بقبوله، ويدفع مزيدًا من الناخبين بالتصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي. فإلى جانب ستة مليارات يورو تعرض على تركيا (ويتوقع زيادتها هذا الأسبوع) يمنح لمواطني تركيا (وهم 75 مليونا) حق الدخول إلى بلدان الاتحاد الأوروبي من دون فيزا والتعجيل بإجراءات التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي. وطوال المفاوضات مع المستشارة الألمانية ومسؤولو الاتحاد وداود أوغلو يطالب بالمزيد من المساعدات المالية والتنازلات السياسية (وبالطبع شطب من جدول الأعمال بنود انتهاك الحكومة التركية لحقوق الإنسان والاعتداءات على الأقلية الكردية وإغلاق الصحف).
ولأن الحد الأدنى من الأجور البريطانية هو تسعة أمثال متوسط الأجور التركية ففتح الباب لملايين الأتراك للسفر بلا تأشيرات يثير مخاوف فقراء بريطانيا وطبقاتها العاملة.
واقعيًا لا يريد أحد في أوروبا الغربية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولذا فكاميرون متهم بالمشاركة في تضليل تركيا بانضمامها للأسرة الأوروبية. ولن تجد أوروبيا يرغب أن تكون لأوروبا الفيدرالية حدود جغرافية مع العراق وسوريا وإيران.
التهمة وجهها اللورد ديفيد أوين، وزير الخارجية الأسبق، من كبار ساسة حكومات العمال المتعاقبة منذ الستينات ومن مؤسسي الديمقراطيين الأحرار ولعب دورًا أساسيًا في مفاوضات التسوية في كرواتيا والبوسنة إبان حرب تفكك يوغوسلافيا في التسعينات، محذرًا من أن مخادعة تركيا بهذا الشكل قد تؤثر على تضامنها داخل حلف الأطلسي الذي يراه اللورد أوين أكثر أهمية لأمن بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي.
معانقة كاميرون لفيدرالية تتزعمها ميركل وصفقة تهدد تضامن حلف الناتو من ناحية، أو قبول عضوية تركيا وتدفق مواطنيها على بريطانيا يدق مسمارين في نعشه السياسي.

التعليقات