كتاب 11

11:36 صباحًا EET

العقل الجمعي لجماهير الولي الفقيه

بودي أن أسأل نديم قطيش مقدم برنامج (دي إن إيه) ما هي ردة فعل جمهور ومتلقي خطاب الممانعة على حلقاتك التي تقدمها؟ إذ لستُ معنية ولم يعد يهمني ردود فعل أصحاب الخطاب سواء كان حسن نصر الله أو أي مسؤول سوري أو لبناني من تيار (الممانعة) الذي يستعرض نديم تناقضات تصريحاتهم وخطبهم ولقاءاتهم الإعلامية، بل إنني معنية بفهم واستيعاب ردة فعل جمهور الممانعة الذي يسمع لخطاب هؤلاء ثم يشاهد حلقة من حلقات نديم قطيش، ماذا يقول بعد أن يستمع لكم التناقض والتباين المفضوح في خطاب زعمائه موثقُا وبالصوت والصورة؟
في السابق لم تتح عملية توثيق الأقوال بالوسائل البصرية والسمعية والإلكترونية كما هو عليه الحال اليوم من سرعة ومن سهولة، أما اليوم فأصغر طفل في البيت بإمكانه أن يخرج تقريرًا مصورًا وممنتجًا يجمع فيه ألف تصريح في مدة دقيقة لشخص واحد من خلال هاتفه الجوال وهو على فراشه!
لا عذر الآن لأي مستغفل يدعي جهله بكميات التناقض والزيف والكذب الحافلة بها خطب زعماء الممانعة، لذلك كان همي معرفة ما هو رأي جمهور الممانعة؟ ما هو تعليقهم؟ هل هناك زعامة تصمد أمام ما يكشفه نديم قطيش من استهبالها واستغفالها لجماهيرها؟ فإن صمدت فبأي مبرر؟ وتحت أي ذريعة يستمر هذا العقل في تصديق ما يسمع من هؤلاء الزعماء؟
تحيرني فعلاً ظاهرة الانصياع والتبعية وإلغاء العقل لدى جماهير واسعة تقاد (عمياني) حين تكون الشمس في رابعة النهار وتصر تلك الجماهير على أن الظلام دامس لأن زعيمًا ما قال ذلك أو لأن (الجماعة) لا ترى! هل عمى البصر معدٍ؟ حيرني فعلاً ما يسمى (العقل الجمعي)، وهي نظرية أسس لها عالم الاجتماع إميل دوركايم فسر فيها ظاهرة نفسية تفترض فيها الجماهير أن تصرفات الجماعة في حالة معينة تعكس سلوكًا صحيحًا، فتفقد الجماهير قدرتها على تحديد السلوك المناسب، وبدافع افتراض أن الآخرين يعرفون أكثر منهم عن تلك الحالة، فتجد الفرد يتبع الجماعة بلا تفكير، إذ إن سطوة أثر الجماعة على الفرد تظهر في قابلية الأفراد إلى الانصياع إلى قرارات معينة بغض النظر عن صوابها من خطئها في ظاهرة تسمى «سلوك القطيع» ولذلك قد تنحصر آراء الجماعات الكبيرة في دائرة ضيقة من المعلومات.
ظاهرة العقل الجمعي هي أحد أشكال الانصياع والإذعان. فعندما يفقد الفرد قدرته على اتخاذ موقف من أمر معين، يلجأ إلى الآخرين بحثًا عن مؤشرات وعن القرار الصحيح والموقف المناسب. عندما «ننصاع بسبب أننا نؤمن أن تفسير الآخرين لهذا الموقف الغامض هو أكثر صوابًا مما قد نختاره بأنفسنا، وسوف يساعدنا في تحديد ردة الفعل المناسبة» يمتلك العقل الجمعي قيمته عندما يكون ما يهمك فعلاً هو أن تكون على حق في أعين الغير، وتعتقد أن الآخرين هم أجدر بمعرفة الحق، لهذا تلغي عقلك تمامًا وتتبع العقل الجمعي. يا إلهي ما هذه السطوة للعقل الجمعي على الفرد حتى وإن كان يحمل أعلى الشهادات ومن أرقى الجامعات؟
أجريت ذات مرة لقاء مع دكتور جامعي له مؤلف حول ظاهرة الاستبداد الجمعي والأسر الذي يقع فيه الفرد مطوقًا بطوق الجماعة، كان كاتبه جريئًا جدًا بكسر هذا الطوق، لكنه في لقائه المتلفز تحفظ جدًا في الإجابات، وحين سألته بعد أن أطفئت أنوار التسجيل: كنت أتمنى أن تكون إجاباتك على قدر كتاباتك جرأة. فقال: كتابتي لنخبة أستطيع أن أناقشها ولكن حديثي المتلفز ستسمعه جماعات لا تعرف النقاش!!
إيران تعتمد في مشروعها التوسعي وتراهن على هذه الجماهير وهذا العقل، لذا حين سئلت في لقاء صحافي عن «المصدر» أو «المحرك» أو «السبب» الذي تستند إليه إيران في ادعاءاتها وتبجحها بأحقيتها في احتلال البحرين؟ فأجبت دون تردد أنها تستند إلى «عملائها» الذين يتبعون فلا يناقشون، ولا شيء آخر، فلا سند تاريخيًا ولا شرعية لادعاءاتها.
أتباع نظرية الولي الفقيه الإيراني في المنطقة في غيبوبة حقيقية، منفصلون عن الواقع تمامًا، يسيّرهم عقل جمعي، ووليهم الفقيه وزعماؤه يدعون أن شرعيتهم مستمدة من شعوب عربية تتوق شوقًا لهم ولزعامتهم. المدعو قاسمي أو حسن نصر الله يقولان إن زعامتهما تمتد للبحرين، ولا رد عندنا على هذا الخطاب غير دعوة الاثنين لشرب كوب في أي من مقاهي البحرين ليريا بنفسيهما (حب) و(تقدير) البحرينيين لهما!! فأتباع هذا الولي مجموعات متناثرة في عالمنا العربي لا يمثلون كل الشيعة، لكنهم مجموعة مغيبة وسط موج الأمة العربية، مجموعات سلحتهم إيران ووضعتهم في مواجهة أمتهم في لبنان والعراق واليمن، أو تسعى لتسليحهم كما هو الحال في البحرين والسعودية، ويومًا ما ستتركهم يواجهون مصيرهم مع أمتهم.
خلاصة القول، نرجو أن يستمر نديم قطيش في برنامجه ولا يتوقف، فتعويلنا على أمثاله ممن خرجوا عن طوق الحمامة وكسروا طوق الاستبداد للعقل الجمعي، إذ لعل وعسى وربما وما على الله بعزيز وممكن جدًا أن يفيق هذا العقل الجمعي من غيبوبته يومًا ما.. اللهم اشفِ أنت الشافي المعافي ولا شفاء غير شفائك.

التعليقات