كتاب 11

12:43 مساءً EET

استقالة وزير

حوادث بروكسل الإرهابية خدمت رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بتحويلها الرأي العام في بريطانيا بعيدًا عن أزمة سياسية عاصفة تفجرت باستقالة وزير العمل والمعاشات إيان دنكان – سميث الذي كان زعيمًا أسبق لحزب المحافظين.
استقالة وزير ذات وقع خطير في النظام البرلماني لأن هناك ضوابط وتوازنات وصحافة تقف بالمرصاد. وربما يستغرب قراء البلدان العربية حيث لا تعني استقالة الوزير كثيرًا. فبشعار «الرجل المناسب في المكان المناسب» يعين الحاكم أو الرئيس الحكومة والوزراء، مفضلاً من التكنوقراط (وتهلل الصحافة لأن وزير الصحة طبيب، ووزير المالية مصرفي)، بينما في النظام البرلماني الوزير منصب سياسي يضع خطة ينفذها المتخصصون.
كل وزير في بريطانيا نائب منتخب ومحاسبته مزدوجة: يوميًا أمام مجلس العموم، وأسبوعيًا أمام الناخبين في «العيادة» في الدائرة. في النظام الجمهوري (كفرنسا) لا يتعرض الوزير للمساءلة اليومية (ربما انتقادات في الصحافة) وقد يستجوب البرلمان الحكومة أو وزيرًا على فترات متقطعة بلا أثر يذكر.
القرار النهائي في اختيار وزراء الحكومة يعود لرئيسها (كاميرون في هذه الحالة) إلا أنه في النظام البرلماني الخالص كبريطانيا يتمتع كل وزير منفردًا بشرعية وتأييد شعبي لأنه منتخب من أبناء دائرته الذين يلتقي بهم أسبوعيًا وله تاريخ طويل معهم. عادة يختار الوزير، سواء فعليًا في الحكومة أو وزيرًا في حكومة الظل المعارضة (أي إن الناخب يعرف البرنامج السياسي لوزارته قبل انتخاب الحكومة) بخبرة لا تقل عن عشر سنوات.
وللوزراء من الوزن السياسي الثقيل تأييد كبير في صفوف الحزب وقواعده ولجانه، ليس فقط في دائرته بل على مستوى بريطانيا كلها، خاصة باهتمام الصحافة التلفزيونية التي تنقل المؤتمر العام للحزب (مؤتمر الربيع المصغر والمؤتمر العام في أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام وترسم فيه سياسة الحزب) ويصول ويجول فيها البعض ويصبحون نجوم صنع الرأي العام بابتكار تعبيرات حاذقة أو سياسات يعدون بها الناخب.
وخلاف رئيس الحكومة مع وزير ربما يدفع الأخير للاستقالة ويقوي مركز الأول بالتخلص من منافس أو ينقص من شعبية الحكومة (إذا فضحت الصحافة الوزير في مخالفات مالية أو أخلاقية). وأحيانًا تعني الاستقالة فقدان رئيس الوزراء تأييد قسم معتبر من الحزب الحكم نوابًا وفي القواعد الشعبية وهي مغامرة قد يخسرها كاميرون.
جورج ايان دنكان – سميث الذي كان زعيمًا لحزب المحافظين في المعارضة (2001 – 2003) انتخب لأول مرة لمجلس العموم في عام 1992 (عقد كامل قبل دخول كاميرون البرلمان في 2001)؛ خبرته السياسية لربع قرن في ستة برلمانات متعاقبة ويتمتع بتأييد تيار معتبر حزبيًا وشعبيًا.
حسب التقاليد البرلمانية لا بد أن يقدم رئيس الحكومة كشف حساب أي زيارة خارجية (في هذه الحالة اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا بشأن المهاجرين) للنواب في أول جلسة بعد عودته لكن طرحت استقالة ايان دنكان – سميث نفسها على الجلسة. انهال كاميرون بالمديح على دنكان – سميث وتطويره للضمان الاجتماعي، رغم الانتقادات الحادة التي وجهها الأخير إلى حكومة كاميرون قبلها بيوم في البرنامج السياسي الأسبوعي لـ«بي بي سي». فكاميرون (رغم أنه أصغر سياسي سنًا يرأس حكومة منذ 1812) يتمتع ببعض الدهاء السياسي (ليس في مستوى سابقيه توني بلير أو جون ميجر.. ولا مجال للمقارنة بالسيدة ثاتشر) وأدرك أن أي انتقاد علني لسياسي في قامة دنكان – سميث سيؤدي لنتائج عكسية تفقده جزءًا كبيرًا من تأييد نواب المحافظين والقواعد الشعبية للحزب.
قال دنكان سميث في خطاب استقالته الذي وزعه على الصحافيين إنه يرفض الاستمرار وزيرًا في حكومة تستهدف إنقاص مخصصات دعم المعوقين بينما تخفض الضرائب على الأثرياء؛ والفقراء لا يصوتون للمحافظين في أي حال، فيرى كاميرون ووزير ماليته جورج أوزبورن أن الخسارة السياسية محدودة.
وفي مقابلته التلفزيونية قال دنكان – سميث إن فلسفة المحافظين التي رسمها أثناء زعامته هي خدمة الحكومة للجميع: من صوتوا لها أو ضدها. التصريحات أكسبته شعبية واسعة ليس فقط بين المحافظين الذين يعارضون تبعية كاميرون للاتحاد الأوروبي نكثًا لوعده بالخروج منه إذا لم ينفذ الإصلاحات بل على المستويات الشعبية حتى المعارضة للمحافظين.
عندما قدم أوزبورن مشروع الميزانية للبرلمان، انتقدت الصحافة والأحزاب المعارضة بند إنقاص ميزانيات الرعاية الاجتماعية (لتوفير أكثر من أربعة مليارات جنيه لسد عجز في الميزانية) بذل مستشارو الحكومة وأخصائيو العلاقات العامة فيها أقصى الجهود لإقناع الصحافة والرأي العام بأنها إصلاحات لتقليل عرقلة البيروقراطية. لم يصدق أحد تبريرات رئيس الحكومة ووزير المالية (ثاني أقوى منصب في بريطانيا ويقطن 11 داوننغ ستريت مجاورًا لـ10 داوننغ ستريت ومع رئيس الوزراء يوجهان سفينة الحكم حيث تحدد الخزانة ميزانية كل الوزارات). بعد ظهر الجمعة أي 48 ساعة من تقديم الميزانية كان مستشارو مكتب دنكان سميث لا يزالون يروجون تبريرات الحكومة حول الميزانية عندما بدأت الخزانة تسرب معلومات للصحافيين عن نيتها بحث خيارات إصلاحات الرعاية الاجتماعية مع جمعيات المعوقين وممثليهم قبل تنفيذ خطة الميزانية والتلميح بمسؤولية وزارة العمل والمعاشات عن اقتراح إنقاص مخصصات المعوقين.
الصحافيون في وستمنستر حيوانات برية غير قابلة للترويض لا يقبلون ما يقدمه المسؤولون على ظاهره فاتصلوا بمعارفهم في وزارة العمل والمعاشات في الخامسة مساء، فوزع الوزير خطاب استقالته على الصحافة في السابعة مساء.
الوزير المستقيل دنكان – سميث من أبرز وأقوى زعماء حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي تتعاظم شعبيتها بعد أن عاد كاميرون من مفاوضات إصلاح الاتحاد الأوروبي بخفي حنين مدعيا أنه حقق إنجازًا لصالح بريطانيا؛ والإنجليز قوم لا يتسامحون مع سياسي يستهين بقدراتهم العقلية. ولا يحتاج الأمر لذكاء كبير لاستخلاص أن مستشاري رئيس الوزراء (وهما زعيما حملة الدعاية للبقاء في الاتحاد الأوروبي) ووزير المالية نشطوا لتوجيه لوم سياسة إنقاص مخصصات المعوقين إلى وزير يتزعم حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي ليربطوا في الشعور الجماعي بين القسوة على المعوقين والتيار المناهض للاتحاد الأوروبي.
ارتفعت أسهم دنكان – سميث الذي حقق باستقالته ما عجز عنه في منصبه الوزاري في صراع داخلي مع وزير المالية في حكومتين متتاليتين، ألا وهو تثبيت حق المنحة المالية الإضافية للمعوقين التي تعهدت الحكومة بعدم المساس بها حتى نهاية البرلمان الحالي (عام 2020).
خدمت الظروف المستر كاميرون وحكومته، إذ أزاحت أحداث الإرهاب في بروكسل قصة كانت عادة ستستمر طوال الأسبوع على الصفحات الأولى. لكن قد لا تخدمه الظروف في المرة التالية.

التعليقات