كتاب 11

02:00 مساءً EET

مقاربة دينية ثقافية

إن مواجهة غول الإرهاب الكاسح ومعالجته، استنادًا إلى مقاربة دينية ثقافية معمقة، إنما تحتاج إلى إيلاء جانب سوسيولوجيا الفضاء الديني الاهتمام اللازم.
ولا تكفي محاولة إنتاج خطاب إعلامي وثقافي، يمنع اختراق الفكر التكفيري المتطرف، بل لزامًا أيضًا الانتباه إلى مسألة تبدو لنا جوهرية جدًا، تتعلق بكيفية تحصين المساجد والجوامع من آفات التأويل الديني المتطرف، الذي يُروّج للقتل والذبح والهدم، خصوصًا أن التنظيمات الإرهابية والمتواطئين معها، يعولون كثيرًا على فضاءات المساجد لتمرير رسائلهم ولانتداب ضحاياهم. بمعنى آخر، فإن بعض المساجد تمثل الثكنات السريّة للتنظيمات الإرهابية وفضاء الانتداب الأول والأكبر.
وليس من قبيل الصدفة ما نشاهده في البلدان التي تعيش معارك طاحنة مع الإرهاب، من محاولات متكررة ومتواصلة للهيمنة على المساجد، التي أصبح البعض منها وكأنه غير تابع للدولة والمجتمع، وهو بالضبط ما يتمّ حاليا في مصر، حيث تبدو بعض المساجد خارج السيطرة ومن دون رقابة، ويروّج أنها تابعة لأنصار الإخوان المسلمين، التنظيم الذي جرى حلّه منذ شهور طويلة.
ولعل الحركة الاقتصادية التي باتت تعرفها المساجد، والمتمثلة في تهاطل التبرعات تحت شعار أعمال الخير، تندرج ضمن ضرورات تحول المساجد إلى ثكنات وما تتطلبه الوظيفة «التكفيرية» من ميزانية ماليّة، باعتبار أن الإرهاب سوق مكتملة الشروط وأنه – أي الإرهاب – بأشكاله المتعددة هو بضاعتها المربحة.
وفي نفس هذا السياق، نستحضر المثال التونسي والأزمة التي عرفتها الفضاءات الدينية، على امتداد قرابة السنتين، وكيف ظلت عشرات الجوامع خارج السيطرة، وتمّ استرجاعها على مراحل، وصولاً إلى تمسك بعض الأئمة بوجودهم داخل الجوامع، ورفضهم الامتثال لأوامر الجهاز الديني الرسمي بالتوقف عن تقديم خطبة الجمعة، بل وصل الأمر إلى خروج مظاهرات مناصرة لإمام دون سواه.
ما نلاحظه حقيقة، هو وجود نوع من الصراع الخفي والخطير في بعض المساجد، بوصفها فضاء دينيًا رمزيًا مهمًا ومتعدد الوظائف والتوظيفات.
من هذا المنطلق، نرى أن معالجة ظاهرة الإرهاب يجب أن تولي مسألة الفضاء العمومي الديني، الانتباه اللازم، وتضع استراتيجية مراقبة مُحكمة، بحيث تكون الدولة من خلال الجهاز الديني مسؤولة عن المساجد والجوامع، التي يمكن أن يتسلل منها المتاجرون بالشباب المتطرف الضحية، أي أنّه لا مفر في هذه الحرب ضد الإرهابيين من المراقبة الأمنية الشديدة الدّقة.
من جهة أخرى، لا يكفي أيضًا نقد الخطاب الديني داخل الجوامع، أو تحديد الممنوعات من المواضيع والإحالات والأفكار والمفاهيم في خطب الجمعة، بل لا بدّ من تحديد خطاب جذاب يتمتع بالمصداقية المعرفية، ويقوم على إعمال العقل وتأكيد مظاهر التيسير والعقلانية، والتسامح في الثقافة والحضارة الإسلاميّة ككل، دون أن يظهر ذلك وكأنه خطاب سياسي دعائي شعاراتي.
فالحاجة إلى صياغة خطاب ديني عقلاني كوني تيسيري، منفتح القيم والرسائل، مسألة باتت أكثر من حيوية في مجتمعاتنا اليوم.
لا بدّ من خطاب تتم فيه المواجهة الصريحة، وقطع الطريق أمام الإرهابيين المقنعين.
هناك جولة مهمة لم تكتمل بعد في بلداننا، ويمكن وصفها بتخليص المساجد من التطرف. ويتطلب هذا حضور الدّولة الصارم والقوي، ذلك أن الجماعات الإرهابية، تستثمر الجاذبية الشعبيّة لهذه الفضاءات، بهدف إعادة تشكيلها وفق رؤى دعاة التطرف.
وعلى مستوى الخطاب الديني داخل المساجد، يبدو لي أنه من المهم تكليف مجلس يحظى بحصانة دستورية، يتألف من كفاءات مختلفة في الفقه وتاريخ الأفكار والحضارة وعلم الاجتماع الديني وعلم النفس الديني، يأخذون على عاتقهم مهمة بلورة خطاب ديني معمق وكوني، ويحدّدون رزنامة مواضيع للطرح في خطب الجمعة، وفي المناسبات الدينية كافة.
إن الفضاء الديني هو آلية من آليات حرب الإرهاب على العالم ككل، وعلى مجتمعاتنا العربية الإسلامية بشكل خاص. ومن المهم أن تكون مسألة دور الفضاء الديني في جوهر استراتيجية المعالجة، وجناحًا رئيسيًا في هذه المعالجة والحرب المفتوحة على الإرهاب.
طبعًا ظاهرة الدّولنة التي ندعو إليها قد عرفت انتقادات من طرف الكثير من السوسيولوجيين، نذكر منهم برتران بادي الذي يعتبر أن ظاهرة الدولة هي مظهر من مظاهر الحكم الشمولي. ولكن مع الأسف لا يمكن محاربة الإرهاب، وفق منطق الحريات وحقوق الإنسان واللادولنة فقط.
وهذا أهم المآزق التي تجد فيها دول العالم نفسها، بما فيها الأكثر عراقة في الحريات والديمقراطية والحقوق، فالإرهاب إذ يهدد الأمن الشخصي للأفراد يُقايضهم في بعض حرياتهم.

التعليقات