كتاب 11

02:06 مساءً EET

واقع اقتصاد ما بعد العولمة

أزمة تهدد بالقضاء على صناعة ابتكرتها بريطانيا وكانت الأولى فيها لقرنين، نستعرضها كنموذج لكيفية التعامل مع واقع اقتصاد ما بعد الرأسمالية والاشتراكية والعولمة.
تجربة لقراء «الشرق الأوسط»، سواء في البلدان التي تقدمت حثيثًا نحو الرخاء بفضل ثروات طبيعية وسكان قليلين، أو البلدان التي كانت تقود التقدم الصناعي والثقافي الحضاري والتطور السياسي، ثم تراجعت اقتصاديًا واجتماعيًا بتداخل عوامل، أهمها سوء الإدارة السياسية، بعد تراجع الديمقراطية البرلمانية إلى أوتوقراطيات مركزية بالنمط السوفياتي الاقتصادي، من احتكار الدولة، ونمو الكثافة السكانية بمعدلات تسبق نمو الاقتصاد.
من العوامل المستقرة في الاقتصاد والسياسة والملاحظة التاريخية – التي أثبتها فشل النموذج الاشتراكي السوفياتي وتوابعه في أوروبا الشرقية، واتجاه الصين إلى الانفتاح والاستثمار الرأسمالي ومأزق كوريا الشمالية – أن الديمقراطية البرلمانية كأفضل أنظمة الحكم الملائمة للطبيعة البشرية وحرية الإنسان، لا تنفصل عن حرية السوق ومرونة الاستثمارات. ومع تداخل العولمة باتفاقيات التجارة والنمو المتعددة الجنسية واتجاه تكتلات الأسواق الإقليمية المشتركة نحو الفيدرالية (كالاتحاد الأوروبي) تظهر الحاجة إلى قوانين تنظم الحرية خاصة والطبيعة الإنسانية للبعض كالجشع والتطلع لأقصى الربحية بأقل الالتزامات، فحرية السوق المثالية لا وجود لها على أرض الواقع. ورأينا بعد الانفتاح في مصر وفي روسيا مثلاً، كيف تحول بعض رجال الأعمال إلى نشاطات تُعتبر نصبًا وتحايلاً ونهبًا لأرصدة وممتلكات المجتمع حسب قوانين ولوائح البلدان التي اخترعت حرية السوق أصلاً كبريطانيا وأميركا.
كنا ضربنا أمثلة من قبل (خصوصًا للمصريين الذين يغالون في وطنية ظاهرية، برفض بيع أي حبة رمل، مما يخيف المستثمر الأجنبي) بالوضع في بريطانيا، وكيف أن أحدث الموانئ تمتلكها شركة «موانئ دبي»، ومطار هيثرو تمتلكه شركة إسبانية. لكن أحيانًا ما تغلب الآيديولوجيا على الواقع العملي، أثناء حكومة العمال الأخيرة (1997 – 2010) التي تقارب فيها توني بلير مع المستثمرين، ودفع بحرية السوق. وعندما أدت مغامرات البنوك إلى أزمة مالية عالمية، لجأ وزير المالية غوردن براون في 2008، إلى استخدام مليارات من أموال دافعي الضرائب لتأميم بنكين لإنقاذهما من الإفلاس (لا يزال المنتقدون يذكرونه، كيف منح المصرفيون أنفسهم علاوات ببضعة مليارات في نهاية العام نفسه) لأنه آيديولوجيًا يؤمن بنظرية الاقتصاد الكينزية بتدخل الدولة (جون مينار كينز، 1883 – 1946، أثناء كساد الثلاثينات انتقد تركيز القطاع الخاص على صغائر الأمور الاقتصاد، ودعا إلى تدخل الدولة أو القطاع العام بتشجيع الإنفاق لترويج السوق).
ويكرر المحافظون الخطأ بطريق عكسي، وهو الإيمان الآيديولوجي بالخصخصة، وترك قوى السوق تعمل بحرية، حتى ولو كان الواقع العملي يتطلب العكس. التهمة يوجهها حزب العمال المعارض والاتحادات العمالية إلى الحكومة في أزمة شركة «صلب تاتا»، وهي شركة هندية تمتلك عدة مصانع للحديد والصلب أهمها، وأكبرها مصهر إنتاج الصلب في مدينة بورت طالبوت بإمارة ويلز.
المصنع يوظف 15 ألفًا، وهناك ضعفا العدد في صناعات معتمدة ومتفرعة، إلى جانب أن المدينة كلها واقتصادها، من متاجر ومطاعم ونشاطات حيوية، يعتمد على المصنع. المصنع يخسر مليون جنيه إسترليني يوميًا (مليونًا و430 ألف دولار). أصحاب الشركة منذ أسابيع يقولون: «كفانا خراب بيوت، سنعرض الشركة للبيع أو نغلقها».. الاتحادات العمالية وحزب العمال المعارض يطالبون الحكومة المحافظة بتأميم الشركة ولو مؤقتًا، حتى يمكن موازنة ميزانيتها للإنتاج والبحث عن مستثمر. رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، ووزير الصناعة والأعمال ساجد جويد، قالا إن التأميم ليس حلاً مثاليًا، ويجري البحث عن مستثمر أو مجموعة استثمارية لشراء الشركة. إلى جانب السؤال البديهي: من هو المستثمر الذي سيدفع بضعة مليارات ليخسر مليون جنيه يوميًا، والساسة، سواء حكومة محافظين أو ساسة المعارضة «يتناعمون» في رمال آيديولوجيتهم؟! القطاع الخاص (الذي يصر عليه كاميرون وجويد) ينجح في اقتصاد رأسمالي حر مفتوح مائة في المائة، وهو ليس حال اقتصاد بريطانيا، ما دامت تتبع سياسات الاتحاد الأوروبي (الكينزية السوفياتية الطابع) في القوانين المنظمة للصناعة والتجارة التي تمنع الحكومات القومية من دعم أية صناعات، وتشترط التعميم بين الأعضاء: أي تشتري بريطانيا مثلاً قطارات وقضبان سكك حديد، مصنوعة في ألمانيا أو فرنسا. العمال والصحافة اليسارية تذكر نصف الحقيقة، وهي إغراق الصين أسواق العالم بمنتجات الصلب الأرخص ثمنًا، لأنها مدعومة من الدولة، وتطالب الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية على واردات الصلب من الصين، وهو أمر غير حكيم، لأنها سابقة قد تدفع الأسواق الأخرى إلى فرض رسوم على الواردات من البلدان الأوروبية.
نصف الحقيقة الآخر يتناساه حزب العمال، وهو المسؤولية عن تخريب صناعة الحديد والصلب. ابتكر الإنجليز صناعة الصلب في القرن الـ18 باستخدام الفحم الحجري لصهر الحديد الخام لتجاور مناجم العنصرين، وتوفير مصاريف النقل وكان تسخين الفرن يستغرق بضعة أيام لتصل الحرارة إلى 800 مئوية. صناعة الصلب الحديثة تعتمد على مواصلات بعيدة وفرن كهربي. فواتير الطاقة والكهرباء هي السبب الأول لرفع تكاليف إنتاج الصلب البريطاني مقارنة بالمستورد. هستيريا تعم العالم حول ظاهرة الاحتباس الحراري واعتبار النشاط الإنساني وحده مسؤولاً عنها، وهو ما لم يثبت علميًا، ببرهان قاطع (انفجار بركان مثلاً يساوي في ساعة واحدة استهلاك مئات المصانع في عام)، أدت إلى ظهور لوبيات همها الكسب المالي، ومعاهد أبحاث تبتكر ما يسمى بالطاقة الخضراء من الشمس (سماء بريطانيا مملوءة بالغيوم) أو الرياح (أمور لا يمكن التحكم فيها) وهي نشاطات تُعتبر ضربًا من الجنون، بقواعد السوق الحر والاستثمار، وبالتالي تحتاج إلى دعم. من يمول هذا الدعم؟
الحكومة العمالية في عهد بلير أصدرت قانون التغير المناخي تماشيًا مع قوانين الاتحاد الأوروبي. القانون يفرض ضريبة باهظة على فواتير الكهرباء. والصناعات التي تستهلك طاقة كهرباء عالية، كالحديد والصلب والقطارات الكهربائية، تدفع هذه الفاتورة الضخمة، وبالتالي فإن تكاليف إنتاجها ترتفع بنسبة الثلث. الغريب أن هذه الضريبة الخضراء تدعم الصناعات الطفيلية المعروفة بالطاقة الخضراء، التي تستورد طواحين إنتاج الكهرباء من الرياح مصنعة بصلب وحديد أجنبي غير مصنوع في بريطانيا. الحكومة التي تمنعها قوانين الاتحاد الأوروبي من التدخل لدعم صناعة الصلب تتدخل بفرض ضريبة أدت إلى تخريب صناعة قد تنتهي بتعطيل 50 ألف عامل (ستتحمل الخزانة إعانات البطالة لهم ولأسرهم).
النموذج نقدمه هنا لضرورة المرونة في الموازنة بين الواقع والآيديولوجيات، وكيف أن هوس الطاقة الخضراء والحفاظ على البيئة تحول بدوره إلى آيديولوجيا ستؤدي إلى خراب البيوت، والمقارنة للقراء في البلدان العربية التي تحول الآيديولوجيات من دون تقدم اقتصادها.

التعليقات