كتاب 11

02:26 مساءً EET

للوطن فرصة لا تفرطوا فيها

توجد في حياة الشعوب «ومضات» هي كالفرص التي قد لا تتكرر، تفويتها يعد خسارة كبيرة قد لا تعوض.
اختفى الجدل والنقاش حول جواز أو تحريم النشيد الوطني وحول العلم الوطني وحول اليوم الوطني من المشهد السعودي، طغيان المشاعر الوطنية جعل المشهد متوحدًا بلا جدال وبلا اختلاف، تلك ومضة في تاريخ المملكة العربية السعودية، إنْ لم تنتهزها وتملك مشروعًا للهوية الوطنية يستثمرها ضاعت منك.
في زمن الرخاء الأمني كان الجدل على الحكم على الرمزية الوطنية المتمثلة في العلم والنشيد واليوم الوطني ممكنًا، فعلى سبيل المثال أجاب أحد المشايخ حين سئل حول حكم الاحتفال باليوم الوطني، (بينت إجابته حجم هذا الجدل واحتدامه) «قد سئلت في إحدى القنوات الفضائية عن حكم تخصيص يوم لما يسمى اليوم الوطني فأجبت بأن المشهور عن كثير من مشايخنا هو منع ذلك».
بل صدرت بعض الفتاوى لا تجيز القيام إعظامًا لأي عَلَمٍ وطنيٍّ، أو سلامٍ وطني واعتبرت من البدع الْمُنكرة، ومثلها كان الجدل على النشيد الوطني بين محرم ومجيز، كان جدلاً تسمح به حالة الارتخاء الأمني ولا يتدخل فيه عوام الناس بل تركوه لمختصيهم وعلمائهم الأفاضل الأجلاء كي يتجادلوا فيه بين مجيز ومحرم، حتى جاءت اللحظة التي شعر فيها الإنسان البسيط العادي بالخطر يهدد أرضه وبيته ربما، فتلمس وحده دونما حاجة للبحث عن رأي أو فتوى طريقته الخاصة للتعبير عن قيمة الوطن ومكانته في النفس.
ودون انتظار لما هو جائز ومحرم التف الطفل والشيخ والمرأة والعسكري والمدني بالعلم السعودي وقبله ووضعه فوق رأسه وأظهر كل علامات التبجيل، فزعة للوطن لا شغفًا بقطعة قماش. في هذه الومضة التاريخية عبر السعودي بعفوية عن تقديره لمعنى الرمزية هنا، لأن القلب هو الذي تحدث دون أن ينطق بحرف بل بتلقائية بلا سفسطة جدلية ونقاش. هنا الإنسان الفطري يعبر عن حبه لوطنه تعبيرًا فطريًا فأمسك العلم والتحف به في لحظة انفعال عاطفي لا تملك دموعك قدرة على مقاومتها.
وحين صدح النشيد الوطني في احتفائيات وطنية حتى وإن كانت رياضية لا يملك أحد أن يمنع هذه الأصوات أن يغني قلبها قبل حناجرها: سارعي للمجد والعلياء/ مجدي لخالق السماء/ وارفعي الخفّاق أخضر/ يحمل النور المسطر/ رددي الله أكبر/ موطني موطني قد عشت فخر المسلمين/ عاش الملك للعلم والوطن.
تلك أحاسيس فطرية تفيض بها القلوب غير خاضعة لأي تحكم أو سيطرة تبحث عن رمزية تمسكها بيدها كي تقول: إن الوطن غال وعزيز فحسب لا أكثر ولا أقل، إنها فيض الحب الوطني الذي لا تملك كبحه وتقييده.
بل إن أكبر مشاهد عزة الوطن ومكانته تلك التي تبدت في قول السيدة التي بلغت عن ابنها لرجال الأمن لحظة القبض عليه (يعطيكم العافية) فهل هناك أعز من الولد وولد الولد؟
ليست هناك صورة أبلغ من هذه الصورة، ومثلها حين تبرأت القبائل والعشائر من أبنائها المغرر بهم، وليس أبلغ من تبليغ الأسر عن أفرادها وتسليم الأب لابنه، لقد خرج كل سعودي من خندقه الصغير قبيلة كانت أو طائفة كانت أو لونًا كان أو جنسًا، ووقف في باحة الوطن فوجد سعوديًا آخر يقف معه لا من قبيلته ولا من منطقته ولا من مذهبه، فاكتفى به أخًا وعضيدًا، التحف معه بالأخضر وردد معه الله أكبر. تلك ومضة تاريخية في حياة الشعوب، قد تجهد «الدولة» سنوات وربما عقودًا كي تقنع فيها الفرد بمعنى ومغزى السيادة للوطن بأنها تأتي أولاً قبل انتمائك لأي جماعة تمتد لخارج حدودك السياسية، أو أن الأمن القومي يأتي أولاً قبل ابنك وأهم من عشيرتك وقبيلتك، تلك قيم ومفاهيم وطنية قد لا يعرفها الإنسان وقت الرخاء، بل تفرضها اللحظة والموقف حين يشعر الإنسان أنها معرضة للخطر وقد يفقدها، حينها تذوب القيود والحواجز وسفسطة الجدل ويبقى الوطن أمامك وجهًا لوجه فماذا أنت فاعل؟
فإن لم تنتهز الدولة بمؤسساتها بنظامها بقوانينها تلك الومضة التاريخية التي أشعلتها الظروف، وتتركها تمر دون أن تمسكها وتعض عليها بالنواجذ وتذكيها وتنفخ فيها مشروعًا قوميًا يسارع لتوظيفها وترجمتها لقوانين وأنظمة وتدابير وتوعية وإدراك باستحقاقات الدولة والوطنية فإنها قد تخفو وربما تنطفئ ويعود كل منا لخندقه القبلي والطائفي وتضيع الفرصة.
واسألوا أهل البحرين عن «ومضة» مرحلة التصويت على الميثاق الوطني التي ضاعت منا، حين ذابت فيها خنادقنا لم نعرف من منا الشيعي ومن منا السني، كيف ضيعناها ولم ندرك أهميتها وظننا أنها ستدوم، وما إن انتهت ولم نجد مشروعًا يوظفها عاد كل منا إلى خندقه!!

التعليقات