كتاب 11

03:42 مساءً EET

تاريخية بين مصر والسعودية

149 يومًا فقط، احتاجها مجلس التنسيق السعودي المصري لينقل العلاقات بين البلدين لآفاق لم تعرفها في تاريخها. وعلى أهمية العلاقات الاستراتيجية السعودية المصرية وقوتها منذ تأسيسها، فإن ما كُشف عنه في القاهرة أمس، خلال زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، يُبرز أن هذه الزيارة فعلاً، هي زيارة تاريخية لن تتكرر نتائجها بسهولة في المنظور القريب، وحتى مع أن الزيارة حفلت بتوقيع 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم على قدر كبير من الأهمية، لكن يبقى الإعلان عن إنشاء جسر الملك سلمان الرابط بين البلدين، وتعيين الحدود البحرية السعودية المصرية، أعظم تعاون مشترك بين البلدين في الثلاثين عامًا الأخيرة، وهو أول ربط بري بين عرب أفريقيا وآسيا منذ قيام إسرائيل.
مفاجأة تعيين الحدود البحرية التي ظلت عقودًا كقنبلة موقوتة تحاشى البلدان المسّ بها نظرًا لتميز العلاقات بينهما، لا شك أنها ستنزع فتيل أزمة مستقبلية ربما تندلع دون مقدمات، شأنها شأن كل القضايا الحدودية، لو ترك ملفها مفتوحًا، وعلى هذا الأساس، وبعد أن حسمت قضية الحدود البحرية، أعلن خادم الحرمين الشريفين عن إنشاء الجسر الرابط، ليس بين البلدين فحسب، بل بين القارتين الآسيوية والأفريقية، هذا المشروع العملاق الذي لم يكن ليتم وسيظل معلقًا، لولا إقفال ملف الحدود.

ومن غير المبالغة تشبيه الجسر المزمع إنشاؤه من حيث الفائدة والأهمية بقناة السويس، ولكن بشكل مصغر، فهو سيفتح أبواب القارة الأفريقية على مصراعيها للصادرات الآسيوية، كما سيكون حلاً سحريًا لشبكة طريق الحرير الذي تعتزم الصين إنشاءه ويربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا بتكلفة تبلغ 47 مليار دولار، ويمر عبر 56 دولة، ناهيك عن الجزء الأهم في ربطه بين جميع الأراضي العربية التي كان البحر الأحمر يفصل قسمها الآسيوي عن قسمها الأفريقي. باختصار، سيكون جسر الملك سلمان تغييرًا جيوسياسيًا مهمًا جدًا وستقطف المنطقة بأكملها، وليس البلدان، ثماره وفوائده.
مشروع تعزيز التحالف السعودي المصري وربطه بمصالح اقتصادية وتعاون عسكري واستثمارات سعودية في مصر سعيًا للتكامل الاقتصادي، لم يأتِ صدفة بقدر ما أسس له المجلس التنسيقي بين البلدين، الذي يرأسه الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، وشريف إسماعيل رئيس الوزراء المصري. وليكن الحديث أكثر صراحة؛ السعودية لا تقدم هبة إلى مصر ولا تمنحها شيئًا مجانيًا، بل بالعكس هي تقدم لها ما هو أفضل من ذلك، وما تستفيد منه على المديين المتوسط والبعيد، وأعني استثمارات مليارية في أرض تراها الرياض خصبة للاستثمار وقادرة على تحقيق عوائد معقولة، فالسعودية تضرب عدة عصافير بحجر واحد، تقوي تحالفها الوثيق السياسي والعسكري مع دولة بحجم مصر، وتدعم الاقتصاد المصري بناء على علاقة المصالح المتبادلة، وفي نفس الوقت تضخ استثمارات هائلة في أرض الكنانة، وهو بالضبط ما تحتاجه مصر حقيقة، بينما جلّ دول العالم تحجم عن فعله، إما لاعتبارات سياسية أو ترقبًا وحذرًا. حقيقة الأمر أن الرياض تدعم حليفتها عبر معادلة الاستثمارات المجزية للطرفين وليس من بوابة الهبات المجانية.
إذا كانت زيارة الملك عبد العزيز لمصر عام 1946. كما ذكر الملك سلمان أمس، هي الزيارة الخارجية الوحيدة التي قام بها طوال فترة حكمه، فإن العاهل السعودي اختار أن تكون مصر الدولة الثانية، بعد الولايات المتحدة، التي يزورها رسميًا منذ توليه الحكم، كما أنه اختار أن يكسر بروتوكولات مثل هذه الزيارات، التي عادة لا تزيد على يومين ليجعلها خمسة أيام، لا تقتصر على المباحثات السياسية وتوقيع الاتفاقيات المشتركة، بل وحضور مناسبات في مواقع تاريخية وذات مغزى، مثل الأزهر وجامعة القاهرة وقصر عابدين، وهي رسالة أراد الملك سلمان من خلالها رسم مستقبل مختلف للعلاقات السعودية المصرية في قادم أيامها، يقوي الدولة المصرية، ولا يثقل على المملكة العربية السعودية.

التعليقات