كتاب 11

12:31 مساءً EET

إذا انتصرت الـ«هفت سين» الإيرانية فمن هم أول ضحاياها؟

هل بدأ الوجه الفارسي لإيران يضيق ذرعًا بالوجه الإسلامي؟ سؤال الساعة في إيران الذي أُجل طرحه إلى حين، لكن الترددات بدأت تتصاعد حدة والمسكوت عنه بدأ يعلن عن نفسه.
أصوات الداعين إلى أن تتوقف إيران عن تسويق نفسها عند المسلمين – خصوصًا العرب منهم – كزعيمة لهم والتخلي عن مشروعها الإسلامي، أصوات بدأت تتصاعد وتضغط على النظام، لا من القاعدة الجماهيرية فحسب، بل حتى بين الملالي أنفسهم، لتتضافر جهود هذه الأصوات مع دعوات اللوبي الإيراني الأميركي والأوروبي الذي يعمل على مد الجسور بين إيران والمجتمع الدولي. ويشكل البعد الفارسي التاريخي لإيران بضاعة تسويقية مغرية، لكنه بعد مطموس ومغيب رماه الملالي في الحديقة الخلفية متعمدين إخفاءه، لأن الأولية كانت قبل 30 عامًا للسوق العربية والسوق الإسلامية، هنا أرادت إيران أن تصدر بضاعتها (الثورة)، فكان الوجه الإسلامي هو البضاعة المطلوبة.
حينها رفعت إيران المصاحف وتحدث زعماؤها العربية وسوقوا لروايات تمد أصول أوليائهم وفقهائهم لآل البيت واختاروا للقدس يومًا ولكربلاء يومًا آخر وكلها مدن عربية، وطمست حينها ملامح الوجه الفارسي بأعياده وبشخوصه وبأشعاره وبمواسمه، فقد يشكل هذا الوجه عقبة في هذه السوق.
أما اليوم، فالمؤشرات الدالة على ضغط القاعدة الجماهيرية الإيرانية على «النظام الإسلامي» بدأت تتصاعد، وحنين الإيرانيين لتراثهم وثقافتهم وهويتهم الفارسية بدأ يفرض نفسه، وآخر المتحدثين في طابور المراقبين لمؤشر اتساع الرغبة وامتدادها لدى الإيرانيين لتسويق بلدهم عبر وجهها الفارسي كان أمير طاهري في مقاله الذي نشر في الثاني من أبريل (نيسان) في «الشرق الأوسط»: «القومية الإيرانية في تحديات انفصام الشخصية (ملالي إيران من تصدير الثورة إلى المزايدة بالتراث الفارسي)» الذي رصد فيه مؤشرات انتشار وامتداد الحنين للوجه الإيراني القديم عند القاعدة العامة من الجماهير، وليس فقط عند أصوات هامسة تدور أصداؤها في أروقة النخب.
«فرغم أن الزرادشتيين الإيرانيين لم يتبق منهم سوى 30 ألفًا فقط، إلا أن الإيرانيين المحتفلين معهم بعيدهم زادوا على العشرين مليون إيراني، منهم عشرات الألوف احتفلوا بـ(جشن سده) احتفال المائة يوم في تشك تشك قرب مدينة يزد الذي يسبق الاحتفال بالنيروز، وهذا عدد غير مسبوق منذ وصول الخميني لسدة الحكم، أما إجازة النيروز فقط احتفل بها 20 مليون إيراني وبعضهم اختار أن يحتفي بالمناسبة في مزار إسلامي عربي، مما شكل حالة من الانفصام في الشخصية والهوية الإيرانية، فالذين أصروا على الاحتفال بالنيروز في كربلاء تحدوا حرمة هذا الاحتفال الشركي من وجهة النظر الإسلامية، مما استدعى تدخل السيستاني نفسه لتهدئة الغضب العراقي الذي ساد القائمين على المرقدين»! وفقًا لمقال طاهري.
حتى الأميركيون اختاروا مناسبة فارسية للتصالح مع إيران لا مناسبة إسلامية، في إشارة إلى الوجه الذي يفضل الأميركيون التعامل معه حين يتعلق الأمر بإيران.
فالرئيس الأميركي باراك أوباما بعد أن تذوق طعم الأطباق الإيرانية «هفت سين» (وهي سبعة أطباق للحلوى الإيرانية تبدأ كلها بحرف السين)، فلأنه اختار عيد النيروز ليوجه رسالته للشعب الإيراني لا عيد الفطر أو عيد الأضحى، قائلاً له: «لأول مرة خلال العقود الأخيرة توفرت فرصة لمستقبل جيد في العلاقات الأميركية – الإيرانية»، وهنأ الرئيس الأميركي في رسالته التي بثها البيت الأبيض جميع الذين يحتفلون به في أميركا وجميع أنحاء العالم، وقال إنه «يحتفل مرة أخرى بعيد النيروز في البيت الأبيض»، وأضاف أن «البيت الأبيض سيستضيف الأميركيين من أصول إيرانية من أنحاء الولايات المتحدة بمن فيهم الأميركيون الوطنيون من أصول إيرانية الذين يخدمون في البيت الأبيض».
فإذا اجتمعت هذه الرغبة المدفونة الحنين لـ«التراث الفارسي» عند الإيرانيين مع النصائح التي يوجهها اللوبي الإيراني الأميركي للملالي لتغليب المصلحة القومية الإيرانية مع الرسائل الأميركية المباشرة، فإن المشروع الإسلامي سيواجه منافسة شرسة تزيد من الضغوط للتخلي عنه، خصوصًا إذا أضيف لتلك الضغوط الخسائر المادية والسياسية المتصاعدة التي تتكبدها إيران في مشروعها الإسلامي.
وكانت الوكالة الرسمية الإيرانية (إرنا) أعلنت في 15 يونيو (حزيران) الماضي، أن 400 إيراني قتلوا في سوريا، في الوقت الذي لم تدلِ أي جهة رسمية إيرانية أخرى معلومات عن عدد القتلى الإيرانيين في سوريا التي دخلت أزمتها عامها الخامس، وتمكنت وكالة الأناضول من الوصول إلى أسماء 300 قتيل من قوات الحرس الثوري، وهذا العدد في سوريا فقط، فهناك أعداد غير معلنة في العراق أيضًا وفي اليمن.
أما العبء المادي لحراك المجموعات الشيعية العربية التي تدين بالولاء للفقيه الإيراني في دولها العربية والتي تعتمد عليها إيران في مشروعها الإسلامي، فإن إيران هي الممول الرئيسي والوحيد وتتكبد العبء المادي الأكبر فيه، مما يضع عبئًا كبيرًا على كاهل الموارد الإيرانية على حساب رفاهية الشعب الإيراني.
الإيرانيون في نهاية المطاف سواء أكانوا إسلاميين أم ليبراليين، معارضين هاربين من حكم الملالي أو موالين أو حتى من الملالي أنفسهم، فإن المصلحة الفارسية القومية التي تجمعهم أرضية مشتركة تتسع لهم جميعًا وتكاليفها المادية والسياسية أقل بكثير من تكلفة المشروع الإسلامي الكبير.
وحين تكون مصلحة إيران على المحك، فعاجلاً أو آجلاً سيكون على إيران أن تختار بين الاثنين؛ إما مشروعها الإسلامي أو مشروعها الفارسي، حينها السؤال الذي سيطرح نفسه: ما مصير أيتام إيران من أصول عربية؟!

التعليقات