كتاب 11

12:55 مساءً EET

الأمر بالمنكر.. والمنافقون في السعودية

ظهرت أصوات معارضة لقرار تنظيم الهيئة الذي يحكم العلاقة بين أجهزة الحكومة المعنية بأمن المجتمع ويحدد صلاحياتها والحد من تداخلها أو تضادها، وتجلت تلك المعارضة في أصوات نشاز وخطر على أمن المجتمع والدولة من بعض الفئات التي تحرض على تحدي قرار الحكومة بأساليب ووسائل مرفوضة، ذلك التحريض والأسلوب هو منكر صريح يرفضه الدين والقانون والعرف. وهذا في ظننا يمثل جوهر النفاق الذي وصفه الحق سبحانه وتعالى في التنزيل الحكيم: “المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف..” (الآية ٦٧ سورة التوبة) ولطالما إرتبط النفاق وظهوره بالسلطة منذ دولة النبوة كما يتبين من الكتاب والسنة المطهرة. ولذا فنحن نحذر المجتمع وننصح كل من له رأي مخالف لقرار الحكومة الذي صدر بتنظيم الهيئة أن يعيد النظر في الأسلوب والممارسة، مع عدم منعه حقه في التعبير عن رأيه بالحكمة والموعظة الحسنة، ضمن قنوات محددة لكي يخرج من دائرة النفاق.

قد يبتئس البعض من المعارضين لقرار الحكومة حول تصنيفهم بالمنافقين والمنافقات، لكننا لم نصنفهم نحن ولم نعمم ذلك الوصف على الجميع، وما نعنيه هم أولئك الذين يستخدمون لغة التحريض بوسائل منكرة قانوناً وعُرفاً، فهم بذلك يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، والحق سبحانه هو من وصفهم بأنهم منافقين ومنافقات. وهل لغة التحريض التي تناثرت في وسائل الإعلام الجديد ليست أمر بمنكر ونهي عن معروف؟ كما أن من المعلوم أن ظاهرة النفاق برزت مع نشوء دولة المدينة في عهد الرسول الأعظم (ص) وتعزيز السلطة السياسية، ولم تظهر في مكة بالرغم من طول فترة الدعوة المحمدية، ولذا يعتبر بعض الباحثين “النفاق” ظاهرة سياسية/دينية. فالخروج على الدولة بأي شكل هو مرفوض في الدين والعرف والقانون، والتحريض على ذلك هو أمر بالمنكر مهما حاول أولئك التموضع داخل أيات و أحاديث وعسف عنق للنصوص القرآنية، وليّ لمفهوم الأحاديث النبوية.

حاكمية الدولة السعودية، التي تحكم بما أنزل الله منذ تأسيسها، أنشئت جهاز لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البدايات (١٩٤٠م) كدليل أولوية لفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضمن مجتمع محدود، وثقافة محدودة، وحياة محدودة، وأجهزة حكومية محدودة، ومهمات محدودة. هي ذات الدولة السعودية بحاكميتها التي درست وتدارست نضوج المجتمع وتنوعه ووعيه من ناحية، وتعدد الأجهزة الحكومية التي يَصْب عملها في تحقيق جوهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من ناحية أخرى. ولذا، فإن التشكيك في أهداف الحكومة أو أجهزتها أو العاملين فيها هو منكر يرفضه الدين والقانون والمنطق والعرف. فمثلما إستحدثت ودمجت وألغت الدولة السعودية وزارات وأجهزة أخرى للصالح العام، بحسب تحقيق المنافع ودرء المفاسد، فإنها تفعل ذلك مع جهاز الهيئة. الأهم من ذلك كله، أن أي إنتقاص من سلطة الحكومة، سيؤثر سلباً على الدولة، وينعكس خطراً يهدد الأمن في الداخل والخارج.

نطرح هنا عدد من المسائل للتذكير والتفكير: (١) الإدعاء بأن التمكين – الذين إن مكناهم في الأرض – لا يأتي إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفسير وتأويل مقبول، ولكن ذلك لا يعني مطلقاً الجهاز الإداري البيروقراطي، كما يحاول البعض الإيهام به؛ (٢) الإدعاء بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة دينية أو ركن سادس، هو خطأ شائع مع تقادم الزمن، والأصح أنه فضيلة إجتماعية ومجتمعية يحث عليها الدين تفرّق بين مجتمع الفضيلة ومجتمع الرذيلة؛ (٣) قرار تنظيم الهيئة هو قرار إداري بحت يعني بالجهاز ولا يمس بأي حال من الأحوال فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يؤكدها ويعمقها في نفوس الأفراد والمجتمع؛ (٤) مقولة أن “درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة”، هي مقولة صحيحة لم يتبناها أولئك المنافقون المحرضون على قرار الحكومة بأساليب مرفوضة تأمر بالمنكر.

الدولة وتعزيز حاكميتها وسيادتها هو أشد ما تحتاج إليه السعودية اليوم في ظل هذا الإضطراب الإقليمي والدولي. كما أن القضايا ذات الصبغة الدينية هي المحرك الرئيس والذريعة المتخذة في عالمنا العربي والإسلامي لتفتيت الدول وتهميشها وإشاعة الفوضى وتجذر الإرهاب. تبعاً لذلك وجب على الحكماء من الفقهاء ضبط الجدل الدائر والتخلص من أهل الشقاق والنفاق الذين يندسون ويتلبسون بالدِين، والمعروف والأمر به، والمنكر والنهي عنه، والتأكد من عدم عكس المفهوم والمماحكة بأيات وأحاديث لتبرير وجهات نظرهم غير عابئين بالعواقب والكوارث التي تتأتى من إضعاف مفهوم الدولة، والإعتراض على قرارات الحكومة بأساليب منكرة ومرفوضة، لتنظيم جديد هو أعم وأشمل من بقاء جهاز بأكمله يرى البعض أن الزمن قد تجاوزه في الأسلوب والممارسة، أو زيادة صلاحياته ليتعارض مع أجهزة حكومية أخرى تؤدي ذات المهمة، أو هيمنته على مجتمع بات أكثر وعياً وإنفتاحاً وصلاحاً.

يوجد في السعودية، ولله الحمد، مجتمع خيّر، ينأسر هواه ووجدانه لكل أية أو حديث أو رجل دين، لكن هذا المجتمع أُختطف على مر السنوات حتى فقد براءته، ولم يفقد البتة عنصر الخير فيه، والزعم بأن تحديد صلاحيات جهاز الهيئة وضبط ممارسات أفراد الجهاز، يعني إنطلاق المجتمع نحو الرذيلة هو إتهام مرفوض وشهادة زور ونفاق في الدين والسياسة. مساحة الصبر والمرونة من الدولة في التعامل مع الجهاز خلال العقود الماضية لا تعني، في ظننا، الإقتناع بمسوغات بقاء الجهاز بحجة “التمكين”؛ ولا تعني الإقتناع بأن جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة دينية أو ركن من أركان الإسلام؛ ولم تكن تشكيكاً في نزاهة وأمانة الإدارات الحكومية المعنية؛ كما لم تكن تصديقاً لدعاوى إنفلات المجتمع، بل كانت أولويات توازنها وتزنها الدولة والحكومة بميزان دقيق جداً في الزمان والمكان.

الرشوة، والفساد، وهضم الحقوق، وغمط الحريات، والفقر، والبطالة، والتمييز، والطائفية، والإرهاب، والتكفير، والإقصاء، وسوء معاملة المرأة، والتحرش الجنسي، والتجسس، والمخدرات، والمسكرات، والمنشطات، والشعوذة، والسحر، والتأخر عن الدوام، والبطالة، وحتى النفايات، وقائمة أخرى طويلة، كلها من المنكرات، لكن أشدها وأعلاها وأخطرها، التحريض على الخروج على الدولة و/ أو إضعاف هيبتها. وإذا كانت الحكومة تقوم بالنهي عن كل ما سبق ذكره من منكرات مجتمعية من خلال أجهزتها المختلفة، فإن من واجبها منع، وليس النهي فقط، التحريض على الخروج على الدولة و/ أو إضعاف هيبتها، وهناك فرق بين النهي والمنع. فالدولة هي الأساس وهي الأصل بحاكميتها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإذا ضعفت الدولة بسبب الجدل والمهاترات حول تنظيم جهاز الهيئة والحد من صلاحياتها ولجم إنفلات بعض أفرادها، فلا أمل في النهي عن كل المنكرات التي تضطلع بالنهي عنها الدولة والحكومة ومؤسسات المجتمع.

لقد ثبت بما لا يدع مجال للشك بأن النتائج السياسية والثقافية والإجتماعية لعلو الصوت الديني في السعودية ومضمون الخطاب لكثير من المحسوبين على الدعوة الدينية، على مدى عقود مضت، لم يوّلد نتائج إيجابية على الإطلاق، يظهر ذلك في ممارسات المجتمع داخلياً وخارجياً، والصورة المرسومة عن السعودية خارج الحدود. وأصبحت الدولة السعودية متهمة ومسئولة بشكل مباشر أو غير مباشر عن تصرفات وممارسات أفراداً تلقوا وتلقفوا الخطاب الديني السعودي. فلم تعد السعودية تلك الدولة المنحشرة في الرمال والصحاري متوزعة بين مجموعة قرى يطلق عليها تجملاً مدن، بل أصبحت دولة ذات مكانة ترقبها الدول والشعوب بعين فاحصة تميز الخبيث من الطيب. ولذا، وجب على الحكماء في سائر أطياف المجتمع السعودي التفكير بشمولية وتبصر.

أخيراً، كل من يستغل قرار تنظيم الهيئة للتحريض على الدولة بشكل علني أو مستتر، مباشر أو غير مباشر، بغمز أو بلمز، هم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وأولئك هم المنافقون والمنافقات. وهذه الفئة مرفوضة دينياً وسياسيا وإجتماعياً. أما الغالبية من المجتمع السعودي فهم الفئة المقبولة ويقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم” (الآية ٧١، سورة التوبة)، لاحظوا، لا ذكر لجهاز أو تنظيم إداري. ختاماً، أَطِيعُوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، أيها المنافقون والمنافقات. حفظ الله الوطن.

كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]

التعليقات