كتاب 11

02:33 مساءً EET

أكـرمـوا مصـر .. إحـذروا تركيـا

مصر أرض وشعب وحكومة ونظام ودولة من عوامل القوة والمنعة للجزيرة العربية ودولها وفي مقدمتها السعودية إذا أحسن التعامل معها والإستثمار فيها والتحالف معها ضد عاديات الزمن. وقد أدركت القيادة السياسية السعودية أهمية مصر الإستراتيجية منذ عهد الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه. وبالرغم من المد والجزر في العلاقة مع مصر إلا أن العلاقة معها وصلت إلى أوج تناغمها في عهد الملك سلمان، وفقه الله. لكن الغيرة والحسد والطمع السياسي لدول إقليمية كبرى وصغرى مثل تركيا وقطر تحاول بوسائل شتى دق أسفين في جسد العلاقات بين السعودية ومصر وأول تلك الوسائل إستخدام إعلام رخيص وكتّاب سطحيين لتنغيص ذلك التناغم والتراحم والتلاحم بين دولتين كبيرتين وشعبين يجمع بينهما إرث قديم من العلاقات الإستراتيجية.
كلنا يعرف المشروع “الأردوغاني/الأمريكاني” الذي ولد في العام ٢٠٠٨م مع زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وتجلى ذلك المشروع واضحاً مع بداية الربيع العربي في العام ٢٠١١م. أرادت تركيا العثمانية ومعها قطر الخليجية إستغلال عدة عناصر لتسويق “الإسلام السياسي” بزعامة التنظيم العالمي لجماعة الأخوان المسلمين ودعم صعودهم للسلطة في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا في غمرة فوضى غير خلاقة إبتكرتها الإدارة الأمريكية بعد إحتلالها للعراق في العام ٢٠٠٣م. وبالرغم من الإجتهاد الأردوغاني وزياراته المكوكية لمعظم دول الربيع العربي، والإجتهاد القطري بقيادة وزير الخارجية القطري السابق في إختطاف قرارات الجامعة العربية، إلا أن تلك المحاولات والإجتهادات فشلت فشلاً ذريعاً في إستثمار تلك الفوضى لتسليم السلطة السياسية “للأخونجية”، بفضل الله ثم بفضل الوقفة السعودية/المصرية.
فشل المشروع “الأردوغاني/ الأمريكاني” أزعج الدولة الصغيرة قطر فسلطت ماكينتها الإعلامية قناة “الجزيرة” للإنتقام من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وحكومته ومحاولة تشويهها بشتى الذرائع وتضخيم الأخطاء وإستثمارها للطعن في مصداقية التحول الشعبي المصري وحرمانه من خياراته السياسية. هذا التدخل الغير مبرر من دولة صغيرة كقطر أحرج دول مجلس التعاون الخليجي إلى درجة القطيعة معها لفترة محدودة وصل الى حد سحب سفراء ثلاث دول خليجية: السعودية والإمارات والبحرين، ولم يعود السفراء إلا بعد أن تعهدت قطر بالكف عن ممارساتها ضد دولة كبرى مثل مصر. ولاتزال قناة الجزيرة القطرية مستمرة في سياستها لمقارعة مصر ورئيسها وحكومتها وزرع الفرقة بين مكونات الشعب المصري.
نجاح حزب العدالة والتنمية في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة؛ والتطورات في اليمن؛ وتعقيدات الأزمة في سوريا والدخول العسكري الروسي؛ وسلوكيات إيران بعد الإتفاق النووي مصحوباً بالخصومة السياسية بين السعودية وإيران؛ وهبوب بوادر الحرب الباردة بين روسيا وأمريكا، يوحي بعودة الأمل في خيال عرّابي الفوضى الخلاقة لإحياء المشروع “الأردوغاني/ الأمريكاني”. ولذا يرى بعض المراقبون أن الهجمات الأرهابية ستشتد في عدد من الدول العربية وفي مقدمتها مصر. فالإرهاب والعنف السياسي هو وسيلة ونتيجة أيضاً لحتمية الفوضى ومحاولة إضعاف الدولة، وهذا ما يسعى إليه جوهر “الفوضى الخلاقة” وقد لمسناه في العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن وسيناء، لكن مصر ستبقى بإذن الله عصيّة على الضعف والتفكك والتشرذم. كما أن السعودية لن تفرط في علاقاتها مع مصر التي تشكل العمق الإستراتيجي للسعودية ودول الجزيرة العربية.
الإضطراب السياسي والإقتصادي العالمي يجعل من السعودية ومصر تتمسكان ببعضهما البعض أكثر، فالسعودية بحاجة الى مصر وقوتها وعلاقاتها الأفريقية والدولية التي تكونت وتراكمت على مدى عقود، كما أن مصر بحاجة إلى السعودية وقوتها وعلاقاتها الإقتصادية التي تكونت وتراكمت عبر عقود أيضاً. صحيح أن مصر أحجمت عن الإنفعال السياسي بفعل التغيير الذي طرأ بفعل ثورتي ٢٥ / ٣٠ يونيو، وما إفترضته القيادة السياسية الجديدة من تغيير وتبديل في أولويات الإستقرار والإزدهار، كما أن السعودية رشدّت إقتصادياً، أيضاً، بفعل الثورة السلبية للنفط وتناقص السعر إلى أقل من النصف، وما بدأته القيادة السياسية السعودية الجديدة من تغيير وتبديل في أولويات الإستقرار والإزدهار. لكن ما يجب فهمه أن مصر ليست بحاجة إلى المال بقدر حاجتها إلى علاقات مع السعودية يشعر فيها الشعب المصري والدولة المصرية بالعزة والكرامة والإكرام تحت مظلة المشاركة في الشدائد.

الأزمة الإقتصادية التي تجتاح العالم، وخصوصا أوروبا، تتضاعف في مصر ليس لأن مصر غير قادرة على حل مشاكلها الإقتصادية، بل بسبب المعضلة الإدارية التي تتلخص في أمرين: (١) رغبة القيادة المصرية في تسريع التنمية على أسس سليمة يتم من خلالها الجمع بين التخطيط الطويل الأمد؛ (٢) رغبة القيادة المصرية في تحقيق نتائج إيجابية قصيرة المدى لكي يحصدها المواطن والفلاح المصري البسيط. هذه المعضلة الإدارية والتنموية يعطلها الإرهاب والتشكيك وشق الصف الشعب المصري بفعل من يؤججه في الخارج بقيادة تركيا وقطر وأتباعهم من الكتّاب والإعلاميين.
الذي لا تعرفه تركيا أو قطر أو “الأخونجية” او قناة الجزيرة أو بعض البسطاء من الكتّاب والإعلاميين، أن التركيبة المصرية والنسيج المصري يملك ميزة خاصة يجعل من مصر عصية على التفكيك والتشكيك. (١) مصر هي دولة / أمة (State / Nation)، وليست أمة/ دولة ( Nation / State ) كمعظم الدول، والذي لا يدرك ذلك فهو يهرف بما لا يعرف، بعنى أن الأمة المصرية سابقة على الإطار السياسي (الدولة)؛ (٢) أن مصر الأرض والشعب والكيان والحكام سابقة ومتقدمة على اللغات والأديان وطرائق الحكم؛ (٣) أن مصر جربت على مدى ألاف السنين مؤمرات القوى العظمى في كل الأزمنة وبقيت مصر صلبة ومتماسكة. ولذا، فمصر تدرك أن جوهر الخلاف مع تركيا وقطر هو وقوفها مع شقيقتها السعودية في وجه المشروع “الأردوغاني/ الأمريكاني” الذي يريد تفتيت الشرق الأوسط والنظام العربي ويلبسة عباءة “الأخوان” والإسلام السياسي.
مصر شريكة للسعودية في أمرين يمثلان جوهر السياسة السعودية: العروبة والإسلام. وقد تختلف الرؤى بين الدولتين بحسب قراءة كل دولة للأحداث الإقليمية والدولية، ولكن المؤكد أن لا خلاف حول العروبة والإسلام. فالسعودية اليوم تتحمل أعباء ضعف وتفكك النظام العربي الذي تشرذم بسبب الأيديولوجيات في النظم العربية الثورية، ولذا تحمل السعودية راية المنافحة والمدافعة عن القضايا العربية ضد تدخلات وأطماع إقليمية ودولية، وليس هناك من دولة في العالم يمكن لها مساعدة السعودية في دورها المستجد سوى مصر بما تملكه من إرث في العروبة والإسلام. محاولة تركيا تعويض فشلها في الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي، ورغبتها في الهيمنة الإقتصادية على الشرق الأوسط عبر تجميع السلطة في يد منظومة ومنظمة الأخوان المسلمين والإيحاء بالطائفية للعقل الجمعي الشرق أوسطي هو أسلوب رخيص وسيمنى بالفشل الذريع.
الأخونجية في الجزيرة العربية وخارجها، والبسطاء والسذج من الكتّاب، يتفاخرون بإنجازات حزب العدالة والتنمية وقيادته الأخونجية، ويروّجون للمشروع “الأردوغاني/ الأمريكاني” للعامة والدهماء معتمدين على وهم سائد وأسطورة سياسية لا تستقيم في الواقع، ألا وهي إستنساخ التجربة الأردوغانية أو تجربة حزب العدالة والتنمية وغرسها في الأرض العربية لتحقيق الرفاه والإستقرار بعد فشل الأنظمة الثورية العربية. لكنهم تناسوا أن تركيا دولة علمانية إستطاع قادتها وأحزابها ومؤسسة الجيش فيها على ترسيخ قطيعة معرفية مع ثقافة الإمبراطورية العثمانية خلال (٨٠) عاماً، وليست مسيرة حزب العدالة والتنمية إلا تجربة محدودة في التطور السياسي والمجتمعي التركي. الغريب والمثير، أن أياً من أولئك الأخونجية والكتّاب الذين يطالبون بمحاكاة الأردوغانية لا يجرؤن على إتمام وصف النموذج التركي ومطالبة الدول العربية بشكل صريح وواضح بالتحول إلى العلمانية أولاً وقبل كل شيء، ولذا نستمع لهم ونشاهدهم يجتزؤن الجدل والحجج رغبة في الوصول إلى السلطة، وعندها، من وجهة نظرهم، لكل حادث حديث
أخيراً، بسقوط العراق وخروجه من النظامين: الخليجي والعربي؛ وبتأزم الوضع في سوريا وتدويل المشكل السوري؛ لم يبق أمام المشروع “الأردوغاني / الأمريكي” لزعزعة منظومة الحكم والأمن في السعودية سوى إستهداف مصر بأساليب سياسية وأمنية وإعلامية. عندها تظن تركيا أنها قادرة على جعل الشرق الأوسط فريسة لمطامعها وأهدافها. وهنا مربط الفرس، إحذروا تركيا ودعاواها التي ظاهرها الرحمة وباطنها ومئالاتها العذاب للعرب شعوباً وحكومات وحكام. ختاماً، أكرموا مصر وشعبها وحكومتها ونظامها فأرض مصر خصبة تعطي بسخاء لمن إستثمر فيها من دون منٍ أو أَذًى أو إستكبار، أما تركيا وقطر فمن الأجدى أن لا يتدخلوا في شئون الدول الأخرى والكبرى، وأن يعملوا بالحكمة الطرادية: “الذي نظامه من زجاج لا يقذف الدول بالحجارة”. حفظ الله السعودية ومصر.
كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]

التعليقات