كتاب 11

03:09 مساءً EET

رئيس جاء و ذهب: وهم المصالح

يحاول الساسة في السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، الإيهام بأن هناك مصالح مشتركة بين البلدين، وهذا غير صحيح البتة. هذا الوهم سببه نحن السعوديين، فنحن من خلقه، وصنعه، وتنبأ به، ولم يتبقى سوى أن نعبده، بل بات نبؤة لم ولا ولن تحقق ذاتها. لا توجد مصالح مشتركة بين السعودية وأمريكا، هناك مصلحة من طرف واحد، تستخدمها أمريكا في أغلب الأحيان، وتستخدمها السعودية في نادر الأحيان. لكنها ليست مشتركة، فالغاية والأهداف مختلفة تماماً، والوسائل المحققة لها تتباين من طرف إلى أخر. وبقدر الدلائل والمؤشرات التي تثبت عدم وجود مصالح مشتركة، إلا أننا كسعوديين نصاب بالذعر من إنقشاع هذا الوهم الذي بنيناه على مدى عقود، وسوّقناه عبر التصريحات الرسمية في كل وسيلة إعلامية إعلانية. الخطير أننا صدقناه، ثم بدآنا نبتئس من عدم إنجاب هذا الوهم أي نتائج إيجابية من وجهة نظرنا.

جاءت زيارة الرئيس باراك أوباما إلى السعودية في الأسبوع الماضي، بُعيد حديث له مع مجلة “إتلانتك” أظهر فيها الرئيس الأمريكي من البوح ما يكفي لصياغة رسالة واضحة عن نظرة الإدارة الأمريكية للسعودية ودول الخليج. كما جاءت الزيارة قبيل مغادرة باراك أوباما البيت الأبيض منهياً ثمان سنوات من إدارة الحزب الديموقراطي، لكي يقول للسعودية ودول الخليج هذا حجم الهوة بيننا وبينكم، فإصلحوا من شأنكم ، وإعتمدوا على أنفسكم، بمعنى آخر: لن نكون معكم. رتبوا وضعكم مع إيران التي لها ما لكم في المنطقة؛ وإدعموا الحل السياسي في سوريا فلن يكون هناك حل عسكري؛ وأعملوا على إنهاء حرب اليمن التي سمحت بإستقواء المنظمات الإرهابية؛ وساعدوا العراق على التخلص من الفوضى والطائفية؛ وألتفوا معنا في تنظيف مالحق بالشرق الأوسط نتيجة “داعش”.

تقتضي الضرورة أن يكون للسعودية مصالح واضحة ومعرّفة ومحددة بكل درجاتها: الإستراتيجية؛ الحيوية؛ الحساسة؛ والهامشية، وعندها يمكن النظر والبحث أين المشترك من هذه المصالح مع الولايات المتحدة أو مع أي دولة أخرى. فلا مشتركات في الجغرافيا، أو التاريخ، أو الدين، أو السياسة، أو اللغة، أو الثقافة. ولو ركزنا على السياسة، فإسرائيل، على سبيل المثال، هي العدو الخبيث الشرس للسعودية منذ نشأتها، ولا تزال على ما نظن، لكن إسرائيل هي الصديق والربيب والحليف المدلل لأمريكا. تتعهد الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تأكيد تفوق إسرائيل، وتمدها بأحدث الأسلحة شبه المجانية، وفي الوقت ذاته تتعهد أمريكا بوضع كل العقبات لمشتريات الأسلحة السعودية لكي لا تستخدم ضد إسرائيل، والسعودية تدفع أعلى الأسعار. العدو، كما يقول خبراء السياسة هو المعيار الرئيس للصداقة أو التحالف أو المشترك من المصالح. ونجزم بأنه حتى لو إحتضنت السعودية إسرائيل فلن يغير ذلك من الشعور الأمريكي الحقيقي تجاه السعودية.

ندع إسرائيل التي إنحدرت أولوية العداوة معها إلى أخر سلم الأولويات، بل بات يشكل إستعداءها أو التلميح بأنها العدو قلقاً لمعظم الساسة في الخليج والعالم العربي. ونستحضر إيران، الخصم المستجد، والتي إرتقى تصنيفها مؤخراً إلى مرحلة “العدو” في بعض أدبيات السياسيين الخليجيين، وبالتأكيد الإعلام المهيمن. هذه الولايات المتحدة غذتنا بإستعداء إيران وكراهيتها على مدى عقود، وما أن إستحكمت تلك الكراهية وبدأنا في ترجمة تلك الكراهية إلى أفعال، خذلتنا أمريكا، وإنتقلت لكي تكون المدافع الرئيس عن إيران وسياستها وبرامجها ومشروعها، هنا خرجنا من “المولد بلا حُمُّص” كما يقول المثل الشعبي. جاء أوباما ليقول تصريحاً لا تلميحاً أن لإيران دور رئيسي في المنطقة ويجب التعامل معها على هذا الأساس. وبدت أمريكا لا تتفهم، بل لا تكترث لبواعث القلق السعودي والخليجي من إيران، كما لا تتفهم أمريكا المسئوليات المستجدة للسعودية في حماية الإرث والقومية العربية والدينية. بإختصار: هي لا تعبأ (Don’t Care).

صحيح أن أمريكا باعتنا أسلحة، وصحيح أيضاً، أن مشتريات الأسلحة السعودية من أمريكا في عهد الرئيس باراك أوباما بلغت حداً لم تبلغه في عهد أي رئيس أمريكي في التاريخ. لكن هذا لا يفسر أو يمكن ترجمته على أن هناك مصالح مشتركة بين السعودية وأمريكا. صحيح ثالثاً، أن أمريكا إكتشفت النفط في السعودية، وإستخرجته، وسوقته، وباعته، وجنت من ذلك ثروة طائلة. لكن صحيح رابعاً، أن أمريكا إستفادت من تلك الحقبة في الأسواق العالمية وتسخير وإحتكار لعبة النفط في السياسة (Monopoly)، ولوم أمريكا للسعودية في إرتفاع الأسعار، ولومها في إنخفاض الأسعار. وصحيح خامساً، أن الولايات المتحدة صاغت استراتيجية للإستغناء عن النفط السعودي خلال (١٠) سنوات، وإجتهدت فحققت ذلك في (٨) سنوات، وفقدت السعودية واحداً من الحبال المشتركة مع أمريكا. فأين المشترك من المصالح؟

يمكن لأي مراقب سعودي غير مصاب بحالة “الإنكار”، أو تضخم “الأنا”، أو إعوجاج رقبة البعير، أن يقرأ الصورة الحقيقية في عيون الساسة الأمريكان، وفي تصريحاتهم، ودراساتهم، لكي يكتشف بما لا يدع مجال للظنون، أن وجود مصالح مشتركة بين السعودية وأمريكا هو وهم سيطر على لغة الإدارات الأمريكية من جانب، وتصريحات وممارسات الساسة في السعودية، من جانب آخر. لغة التفكير بالتمني، أو ما يجب أن يكون ( What Ought To Be ) التي سيطرت على الخطاب السعودي الأمريكي، لا بأس بها لفترة معينة، لكن بقاءها على مدى العصور وإدمانها يخلق حالة مرضية إثمها أكبر من نفعها. المثير، أن إثم ذلك الوهم ستتحمل السعودية وزره لعقود قادمة، إذا لم تستيقظ على الحقيقة المرة، وهو أن لا أحد مستعد بأن “يكون ملكياً أكثر من الملك”، ولن يساعدك أحد مالم تساعد نفسك.

الولايات المتحدة دولة عظمى، وقوة عظمى وتعمل على هذا الأساس، وهي غير مستعدة أن تستنفد جهودها وطاقاتها في إقليم أو منطقة مليئة بالمتضادات ودول تحترب على خلاف أيديولوجي تراكم عبر القرون. دول المنطقة غارقة في الماضي بأساليب الحاضر، ولم تتمكن خلال العقود السبعة الماضية منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية أن تسير بشعوبها ومجتمعاتها خطوة إلى المستقبل. لا تختلف الصراعات بين دول المنطقة وأسبابها ودوافعها عن أسباب ودوافع الصراعات القبلية والكيانات السياسية منذ أكثر من خمسة عشر قرناً. المنطقة العربية هي الوحيدة على الكرة الأرضية التي إستنزفت جهود الأمم المتحدة في الإغاثة واللاجئين والأعمال الإنسانية. كما أنها الأكثر في عدد المبعوثين الدوليين في سوريا، واليمن، وليبيا، والصحراء. والأكثر أيضاً، في المؤتمرات الدولية. ولا نظن، أن وزير خارجية أمريكي بقي وتابع صراعات ومشاكل المنطقة مثل ما حدث مع جون كيري في عهد أوباما.

جاء الرئيس الأمريكي إلى السعودية لكي يقول صدقاً ممل وليس كذب مشوق، إعتادت عليه الأذن في السعودية والخليج. وذهب الرئيس لكي ينهي عهده بإنجازات غير مسبوقة على الصعيد الداخلي الأمريكي. تعلُق السعودية ودول الخليج بزيارة رئيس أمريكي إلى المنطقة والمحادثات معه، هو في حد ذاته جزء مظلم في الفكر العربي. فمنظومة إتخاذ القرار في الولايات المتحدة لا يشكل الرئيس فيها وإدارته حيزاً كبيراً. كما أن الرئيس الأمريكي، وبالأخص باراك أوباما، يدرس بإهتمام كبير الجوانب المختلفة في العلاقة مع السعودية، مما يجعل من المحادثات الثنائية ذات أثر ضئيل وتحصيل حاصل. المثير، أنه خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي، هناك من قارنها بزياراته السابقة وخصوصاً في العام ٢٠٠٩م، للمحاججة بان أمريكا تغيرت كثيراً منذ تلك الزيارة في نظرتها، وهنا يرد خبير أمريكي: هذا صحيح، لكن هل تغير العرب؟

يمكن لنا أن نستطرد في تعداد وسرد المتضادات بين السعودية وأمريكا لدحض الحجج القائلة بوجود مصالح مشتركة، لكننا سننتقل إلى قضايا أهم. فقد عملت الولايات المتحدة خلال العقود الماضية على تجريد السعودية من أهم وأقوى ثلاث سلطات تقوم عليها الدولة: (١) السلطة القبلية؛ فمنذ أمد بعيد عملت مراكز الدراسات الأمريكية على تقديم الرؤى حول مدننة المجتمع السعودي في حضن دولة مدنية، وأهمية تخفيف هيمنة القبيلة في الوظائف والحياة العامة وإعتبارها، أي القبيلة، عنصراً زائلاً وليس فاعلاً ومؤثراً في المجتمع؛ (٢) السلطة الدينية؛ لطالما إجتهدت الولايات المتحدة في كسر حدة الخطاب الديني، بداية من بوابة حقوق الإنسان، والمرأة تحديداً، وإنتهاء بالفكر المتطرف من بوابة الإرهاب، ولاتزال الولايات المتحدة تضرب بقوة وبأساليب متعددة لتذويب هذا المكون شديد الإنفجار؛ (٣) سلطة المال، عملت الولايات المتحدة على كسر شوكة النفط كقوة يمكن للسعودية إعادة استخدامها سياسياً، فإجتهدت الولايات المتحدة في صنع سياسات بيئية وتقنية وتكتلات لكي لا تصبح السعودية مهيمنة على هذه السلعة، والأهم، التقليل من تلك العوائد المالية الفلكية الناتجة عن النفط في يد السعودية.

لو تفكرنا في الثلاث سلطات التي عملت وتعمل أمريكا على تذويبها، يمكن لنا أن نتعرف على حجم الذعر (Panick) الذي أصاب دول الخليج والسعودية تحديداً خلال السنة الماضية. فتلاشي سلطة المال وحدها، أربك الفكر السياسي في الخليج. هذه السلطة التي لطالما كانت الوسيلة المثلى للعلاقات والولاءات في الداخل والخارج مما قد يضطر دول الخليج إلى التحوّل لسياسات داخلية أكثر واقعية مما يتطلب كثير من الإجراءات والإصلاحات، حاولت دول الخليج أن تنأى بنفسها عنها وتؤجلها عقود من الزمن. الأنكأ من ذلك أن السياسة الخارجية والعلاقات الدولية التي إعتمدت بشكل كبير على المال السياسي، ستتأثر هي بدورها مما يزيد من درجة الذعر الذي يرى البعض أنه قد يُنتج ويوّلد سياسات نزقة أو محفوفة بالمخاطر. ولذا يرى بعض الخبراء أن السبيل الأسلم أمام السعودية ودول الخليج، وقد فقدت السلطات الثلاث التقليدية، هو تبني سلطات ثلاث بديلة تتمثل في: سلطة الشعب؛ وسلطة القانون؛ وسلطة المؤسسات.

أخيراً، السعودية على أعتاب مرحلة جديدة من أهم مقوماتها التخلص من وهم أمريكا ووجود مصالح مشتركة. فالولايات المتحدة تبحث عن مصالحها الوطنية وتعيد تعريفها بشكل دائم في عالم متغيّر بشكل مستمر. كما تتطلب المرحلة السعودية الجديدة بعد نسيان الوهم الأمريكي، الدخول بجدية في حوار مجتمعي حقيقي لتحديد الهوية السعودية (من نحن، وماذا نريد) من دون مواربة او مجاملة، عندها، وعندها فقط يمكن أن نتعرف على المصالح الوطنية السعودية بدرجاتها المختلفة، وتقرر السعودية حينئذ من يشترك معها في تلك المصالح. ختاماً، جاء الرئيس الأمريكي وذهب، وسيأتي رئيس أمريكي آخر ويذهب، ويتبقى السؤال الأهم الحائر الدائر بيننا: إلى أين تذهب السعودية؟ حفظ الله الوطن.

كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]

التعليقات