كتاب 11

03:59 مساءً EET

المستحيل الرابع

فكرنا في تقليص النفقات الحكومية وترشيدها، فكرنا في تخفيض الدعم، فكرنا في زيادة الرسوم، ممتاز كلها سياسات وإجراءات من شأنها أن تخفض العجز، وهو المطلوب، إنما هل فكرنا في أثر هذه السياسات على مستوى ونوعية الخدمات التي تقدمها الحكومة لجميع أنواع المنتجات تعليمية كانت أو صحية إعلامية أو رياضية مواصلات أو اتصالية.. إلخ؟ ذلك تحدٍّ كبير سنواجهه.
نحن هنا لا ندعو لوقف هذه السياسات والتراجع عنها، إنما السؤال كيف ممكن أن نحافظ على مستوى الخدمات فلا تتدنى أولاً، ذلك هو التحدي المطلوب، بل نزيد جرعة التحدي أكثر ونطرح هذا السؤال هل بالإمكان تحسين مستوى وجودة الخدمات أكثر مما هو مقدم في ظل هذه السياسات التقشفية؟ أم أن ذلك يعد مستحيلاً رابعاً؟
إنه تحدٍّ يتطلب منا مراجعة سياساتنا لنفكر خارج الصندوق، وإعادة النظر في تشريعاتنا ونظمنا فالعديد منها لا يتناسب مع هذه المتغيرات ولا يتناسب مع التوجه لإشراك القطاع الخاص في تقديم الخدمات.
على سبيل المثال لا الحصر، حين اتجهت سياسة الدولة لفتح المجال للاستثمار في تقديم الخدمات الطبية أو التعليمية استدعت تلك السياسة تغيير المنظومة الشريعية لتلبية احتياجات المستثمر إلى جانب تلبية احتياجات الرقابة المالية والرقابة على حسن وجودة الخدمات، وهذا تطلب تغييراً في السياسة المالية والإجراءات في الصرف والتحصيل لتلك الخدمات، وإلى اللحظة يجد المستمثر في الخدمات الطبية صعوبات عديدة ناجمة عن عدم انسجام القوانين والإجراءات مع شراكة القطاع الخاص، هذا ويعد القطاع الصحي من أكثر القطاعات التي حدثت منظومتها كي تجذب الاستثمارت فما بالك بالقطاعات الأخرى التي لم تمس بعد؟
فالتحديثات لم تشمل معظم القطاعات التي مازالت على «طمام المرحوم»، مما اضطر العديد من المؤسسات والوزارات والهيئات إلى البحث عن مخارج لتقديم يد العون للمستثمر إن أراد الدخول في محاولة منهم لعدم الإخلال في الكتيب الإرشادي للسياسة المالية فكان ذلك أشبه بمليون لفة ولفة، وذلك حل ترقيعي، إنما الصحيح هو أن تتحرك الحكومة الآن وتعيد النظر في كامل سياستها التشريعية والمالية والخاصة بالخطوط الفاصلة بينها وبين القطاع الخاص، فلا تتوقع أن يدخل رأس المال للمساهمة معها في تقديم الخدمات التي احتكرتها لعقود طويلة في ظل جمود تلك الكتيبات الإرشادية القديمة التي كانت يوماً ما تمنع منعاً باتاً دخول القطاع الخاص.
إن الترقيع الذي نمارسه الآن بالتقدم خطوة والتراجع خطوات وبالتشكيك والحذر في رأس المال أو بتعدد جهات القرار وبتخبطها أو بالسماح لهيئات ووزارات وعدم السماح لأخرى أو بزيادة عدد الاستثناءات التي تضطر الحكومة أن تمررها لكثرة الطرق المسدودة، أو بالبدء في قطاعات والامتناع في قطاعات أخرى ليس حلاً، وإن استمر الحال بهذا الشكل من ترشيد في النفقات وتقليص في الساعات الإضافية للموظفين فإننا سنشهد تدنياً في مستوى الخدمات يخرجنا خارج إطار التنافس.

التعليقات