كتاب 11

05:04 مساءً EET

السعودية ما بعد أمريكا

إستطاعت السعودية أن تصنع رؤية مستقبلية لما بعد النفط، لكن السعودية لم تصنع رؤية لما بعد أمريكا. فإذا أدمن الفرد السعودي النفط والتفكير فيه وأصبح ثالث إثنين: الكتاب والسنة والنفط، كما يقول الأمير محمد بن سلمان، فإن هناك قضايا عديدة أدمنها الفرد السعودي وأدمنتها الدولة السعودية من أهمها أمريكا. تزامن نشوء العلاقة بين السعودية وأمريكا مع النفط، والنفط إرتبط بالدولار، وإرتبط بذلك الريال، وإرتبطت السعودية بأمريكا. فإذا قررت السعودية بعد (٧٠) عاماً، التفكير بجدية في ما بعد النفط، أو التخلص من الإعتماد عليه، فهل تستطيع السعودية أن تتخلص من الإعتماد على أمريكا والدولار؟ تمكنت السعودية، أيضاً، من صنع رؤية مستقبلية 2030، فهل تعرف السعودية ماهي رؤيتها في ما بعد الرؤية؟ بمعنى آخر، وماذا بعد؟ سنحاول هنا أن نفكر بصوت مقروء على ثلاث مراحل: الأولى، حول رؤية السعودية في مابعد النفط وما بعد أمريكا؛ الثانية، حول رؤية السعودية في مابعد أمريكا ومابعد الرؤية. المرحلة الثالثة، سنحاول رسم مرحلة السعودية العالمية.

تمكنت السعودية أن تنطلق في الرؤية 2030 وتأمل في أن تحقق مراحلها بنجاح، وان تقيم أكبر صندوق سيادي في العالم يتحكم في نسبة كبيرة من الإستثمارات في الأسواق العالمية، وأن تكون السعودية الدولة القوية بعناصر قوة غير متذبذبة أو زائلة، لكن أمريكا لازالت موجودة في العالم، والسعودية وكثير من دول العالم تمضي في ركابها وتحت هيمنتها. ومثلما تذبذبت أسعار النفط، تتذبذب العلاقة مع أمريكا، وتتذبذب العلاقة مع الدولار، ومن هنا يمكن لنا أن نطرح سؤال المليون دولار: هل يمكن للسعودية أن تنشيء أكبر صندوق سيادي، وتدير إستثمارات عالمية، وتكون ممراً للتجارة الدولية بين القارات، من دون الإعتماد على أمريكا أو الدولار أو محاباتها أو مصانعتها؟ فإذا علمنا أن أمريكا هي من إكتشف وإستخرج وسوّق وباع النفط، وعلمنا أن أمريكا هي من قرر أن تضعف قيمة النفط في الأسواق وتتخلى عن إعتمادها على النفط السعودي، فهل سنكون بمأمن من المكر السياسي الأمريكي في أن تعمل أمريكا على إضعاف قيمة الإستثمارات والرؤية السعودية، وهي المهيمن على البورصة الأمريكية أحد منافذ الرؤية، وصندوق النقد، والبنك الدولي، وقوة وضعف الدولار والعملات؟

يجادل المفكر السياسي هانز مورقنثاو حول أنواع مختلفة من السلطة أو القوة Power، منها أن القوة ليست مطلقة إنما تختلف بحسب وزنها بالنسبة لما يقابلها أو يعادلها. كيف؟ تريد السعودية أن تكون قوة مستقلة مستدامة، كما تريد التخلص من هيمنة وسلطة النفط كمحرك رئيسي لقوتها وإستمرارها. حسناً، لكن إستقلال السعودية عن النفط وإنعتاقها من سلطته وهيمنته لكي تشعر بالقوة والأمان، يتطلب بالمنطق أن تنعتق من سلطة وهيمنة القوة المحركة للنفط لكي تتخلص من الإدمان وتشعر بالأمان، وذلك بالتخلص من إدمان الدولار وأمريكا. فمثلما هيمنة أمريكا على سياسة النفط في العالم وقادت أهميته، قامت أمريكا ذاتها بتحجيم تلك القوة، ولا شيء يمنعها أن تقوم بالأسلوب نفسه لتضمن بقاء الهيمنة والسلطة في يدها في البدائل السعودية لمرحلة مابعد النفط. فقد سبق أن إستطاعت أمريكا أن تفك إرتباطها بالذهب، فبات الدولار المحرك الرئيس للإقتصاد في العالم.

تذبذب أسعار النفط حدا بالسعودية أن تقول كفى وأن تبحث عن مصادر بديلة للبقاء والعيش بإستدامة. قد يرى البعض أن قرار السعودية جاء كرد فعل على القرار الأمريكي الذي قال وعمل منذ مدة طويلة: كفى إعتماداً على نفط الخليج والسعودية تحديداً. لا بأس، فأن تفعل السعودية الشيء متأخراً أفضل من أن لا تعمله على الإطلاق. من هنا ينبغي للسعودية أن لا تكرر الغلطة السابقة، أو تنتظر ريثما تفكر أمريكا في خنق السعودية وخلق بدائل وإضعاف قوة السعودية في رؤيتها الجديدة. يستحسن بالسعودية أن تفكر بأسلوب أمثل يلغي تذبذب العلاقة بسبب تغير المزاج السياسي أو توجهات الأحزاب أو أهدافها المرحلية. فالولايات المتحدة والغرب ومعظم دول العالم تتغير سياسات الحكومات بسبب التنافس المحموم حول السيطرة والتملك لأكبر قدر من عناصر القوة بشكل مباشر أو غير مباشر، وبينما كان يتأتى ذلك في الماضي عن طريق الإحتلال والإستعمار والغزو والتحالفات والإتحادات، فقد إنتهت تلك المرحلة، لكن أهدافها استمرت بوسائل أخرى.

بلغت العلاقات السعودية الأمريكية، على سبيل المثال، مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الملل التي يمر بها الزوجان بعد أن يبلغوا حداً معيناً من العلاقة الزوجية حيث يكونوا قد مروا بكل عناصر الشوق والتشويق، والمد والجزر، والشد والجذب. كما أن أمريكا عازمة على تنويع مصادر تحالفاتها وصداقاتها تبعاً لمصالحها. ونظن أن هذه مرحلة طبيعية، بل ضرورية لكي تتخلص السعودية من التفكير القديم في العلاقات الدولية، وتبدأ مرحلة جديدة تقوم على العلاقات الإنسانية بصرف النظر عن الأطر السياسية وأيديولوجياتها وتوجهاتها. فمثلما تحاول السعودية أن تتخلص من إعتمادها على النفط كمصدر وحيد للدخل يأتي عبره كل النشاط السياسي والإقتصادي، يمكن للسعودية أن تتخلص من الإعتماد على أمريكا والغرب والشرق كدول والتعامل مع مكوناتها الإنسانية. فالدولة الوطنية التي ولدت في العام ١٦٤٨م بدأت في التلاشي وضعف التأثير. كما أن النظام الدولي بلغ من الكبر عتيا، وحان الوقت لقيام نظام عالمي جديد يقوم على الإنسانية.

يمكن المجادلة، في جانب آخر، بأن العلة لم تكن في النفط، فهو سلعة حيوية يمثل شريان الحياة في العالم، لكن الولايات المتحدة قائدة العالم الصناعي والإقتصادي والتجاري والنقدي والعلمي والتقني في العالم، قررت أن لا ترهن مكامن قوتها بيد دول أخرى، ولذا عملت على أن تضعف النفط خصوصاً وأنها لم تعد صاحبة اليد الطولى فيه. إستخدام العلوم الحديثة والتقنية في خلق طاقة نظيفة صديقة للبيئة هي واحدة من مجموعة أفكار وبدائل تعمل عليها القوى الصناعية لكي لا ترهن ذاتها ومستقبلها بالماضي وبدائله. هذا ما فعلته روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا بإنشائها مجموعة “البريكس” لكي تنعتق من هيمنة الولايات المتحدة وأنشأت بنك دولي وتعاملت بعملاتها الوطنية لكي تخفف من إعتمادها على الدولار. وهذا، أيضاً، ما يجادل به المطالَبون بخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي لأن إدمانهم على أوروبا قوّض قوة وإستقلال بريطانيا “العظمى”.

قد يكون من العسير جداً على السعودية أن تتخلص من إعتمادها على عملة الدولار بشكل مفاجيء، لكن التفكير في التخفيف من الإعتماد على الدولار رويداً رويدا، هو تفكير سليم. تستطيع الولايات المتحدة أن ترفع وتخفض قيمة أصول الصندوق السيادي “الأكبر” في الكرة الأرضية، بلعبة بسيطة تؤثر على قيمة الدولار، وبذلك تتأثر إستثمارات الصندوق وتصبح رهينة مزاج سياسي ومصالح دولية أمريكية. وبقدر تعاظم حجم الصندوق السيادي، بقدر تأثره سلباً وإيجاباً بالتذبذب في عملة الدولار. التخلص من الإعتماد على الدولار سيمهد الطريق إلى الإنعتاق من إدمان أمريكا، وإستعادة السعودية لمكان القوة والإستقلالية في المسرح الدولي السياسي والإقتصادي. ولذا، تأتي أهمية أن يكون من أهداف الرؤية السعودية التخلص من عناصر الإدمان في النفط والدولار وأمريكا.

أخيراً، الإنطلاق في رؤية السعودية 2030 هي خطوة في الطريق الصحيح، لكنها مرتبطة بالضرورة والمنطق والواقع بعناصر أخرى لابد من التفكير فيها والعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها بما يخدم الدافع والهدف الذي من أجله تم صياغة الرؤية المستقبلية، وهو أن تكون السعودية دولة قوية مستقلة. التخلص من الإعتماد على النفط خطوة، والتخلص من الإعتماد على الدولار خطوة، كما أن التخلص من الإعتماد على أمريكا خطوة كبرى يجب وضعها ضمن الأهداف. ما بعد الرؤية هو ما يجب التفكير به منذ الأمس، فخمسة عشر عاماً هي لمحة ولحظة في حياة الشعوب والدول، والأمم الحية هي التي تفكر دائماً وبشكل حثيث في “ماذا بعد؟”. وهذا ما سنطرحه في الجزء التالي وهو “السعودية ما بعد الرؤية”. ختاماً، السعودية هي دولة عالمية أو هكذا يجب أن تكون، وهو ما سنختم به أطروحتنا الوطنية في الجزء الثالث. حفظ الله الوطن.

كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]

التعليقات