كتاب 11

12:56 مساءً EET

قراءة أولية في «بيان للناس»

لم تكن السعودية حبيبة الإعلام الغربي في وقت سابق من الزمن، لكنها لم تكن بهذا العداء الذي نشاهده في السنوات الأخيرة، خاصة السنة الماضية. النيران القادمة إلى المملكة، منها نيران صديقة أو تدعي ذلك، وهي أساسًا قادمة من كُتّاب ووسائل إعلام عربية، تدعي في ظاهرها المحبة، وتبطن العداء. المحبة أنها (ترغب في أن ترى الشعب في السعودية أكثر حرية ومشاركة) ولكن لها أغراضها التي لا تخفى، في وضع السم موضع العسل. أما الإعلام الغربي وبعض الدوائر السياسية فقد كثفت الهجوم في الفترة الأخيرة بشكل لافت، خاصة بعدما بدأت «عاصفة الحزم». والإصلاحات الداخلية التي شهدتها وتشهدها المملكة العربية السعودية واحدة من الذرائع التي تقدم للهجوم على المملكة العربية السعودية ومقارنتها بما يحدث في إيران، وأن إيران – في ادعائهم الديمقراطية – يجرى فيها تبادل للسلطة وتغيير دوري للنخب، والمرأة الإيرانية ممكنة من المشاركة في الحياة العامة، طبعًا ذلك للمطلع قول باطل لا يقوم عليه دليل، لكنه يباع للبسطاء وعديمي الاطلاع على أنه قول نهائي لا يأتيه الباطل! فقد فصلت إحدى النساء الإيرانيات من مجلس الشورى الإيراني فقط لأنها صافحت رجلا!
في تقديري أن الهجوم المركز على المملكة يأتي في هذه المرحلة لسببين؛ الأول هو أنها غادرت موقع «الانتظار» إلى موقع «الفعل»، فقد كانت لفترة هي المتلقي والمسامح على البذاءات السياسية، والسبب الثاني أنها مقدمة على إصلاحات كبيرة، لا يحب الأعداء أن تتم، بناء على الفكرة القائلة، إن البقاء في المكان «يُكلس الدول» ويجعلها عرضة للتآكل. من هذين الافتراضين جاء كل ذلك العداء المستحكم، الذي ينمو في الأوساط السياسية الغربية، ويجعل بعضها مستعدًا للوثوب إلى تعطيل المصالح السعودية، كما يلوح اليوم في الأوراق الخفية لتقرير أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لا بد من التوقف هنا للحظة، والقول إنه استقر لدى النخب في الخليج أن «أي ضعف أو تراجع سعودي هو في الحقيقة طريق للوثوب على بقية دول منطقة الخليج»، وأصبح هناك وعي كامل وغير متردد بهذه الحقيقة، وبأن «السفينة السعودية» سفينة خليجية في الوقت نفسه.. هذه العقيدة السياسية التي تتسع بين النخب سواء الحاكمة أو المحكومة في دول الخليج لا تجد لها قبولاً في الأوساط التي ترغب في أن تستفرد بدول الخليج منفردة، بعيدًا عن الساحة السعودية. لكن كل تلك الأوساط يخيب ظنها، ومن مظاهر تلك الخيبة اللقاء الاستراتيجي الخليجي – الأميركي أولاً في كامب ديفيد منذ أشهر، وثانيًا مؤخرًا في الرياض، وبصرف النظر عن نتائجه، فإن شكله هو التقارب الخليجي الصلب، ففي اللقاءين تحلق قادة الخليج في جهة في صف واحد، والسيد باراك أوباما في جهة أخرى، وهو دليل واقعي وملموس أن «السفينة واحدة لا سفينتان أو أكثر».
تصاعد نقد المملكة بعد صدور «منافستو محمد بن سلمان»، وهي وثيقة الإصلاح التي أعلنت الأسبوع الماضي، التي قوبلت إما بترحاب شديد، ربما حتى قبل أن يقرأها البعض القراءة الفاحصة، وهذا ليس مستغربًا، وإما بنقد شديد، وأيضًا قبل قراءتها التفصيلية، وهو من جهة دليل على المواقف المسبقة التي تبحث عن المثالب.
قراءتي للوثيقة الإصلاحية في النص (المكون من41 صفحة) أنها أولاً تبحث عن «مكامن القوة» في الاقتصاد والمجتمع السعودي، من أجل تعظيم تلك الموارد، وثانيًا تبحث عن مكامن الضعف من أجل علاجها، ذلك يدل ليس على نضح في تناول المشكلات الحياتية فقط، ولكن أيضًا على شفافية، وأن المجتمع السعودي والعالم عليه أن يعرف أن مقصد القيادة وهدفها تمكين المجتمع بكل شرائحه وفئاته من التحول إلى مجتمع حديث ومنتج، كما أنها استجابة لظروف متغيرة. فهي، أي الوثيقة، في صلبها ترمي إلى «إيجاد بدائل اقتصادية» للتحول من الاعتماد على المورد النفطي إلى اقتصاد موازٍ أولاً، ومن ثم بديل، وهو أمر طالبت به النخب الخليجية، وصار اليوم أحد أهداف التحول الاستراتيجي، فهل هو أمر يجب البحث عن عيوبه؟ أم هو أمر يجب تعضيده، وسد ثغراته إن وجدت؟!
التحول ليس سهلاً، والجهود الرسمية أو النخبوية يجب أن تنصب في البحث عن تفعيل ومن ثم ترجمة هذه الأهداف العامة في الوثيقة إلى برامج، إلا أن الوثيقة لا تقف هناك، فهي تتحدث عن «ثقل البيروقراطية السعودية» والتوجه إلى علاج علاتها، كما تتوجه إلى «توسيع دائرة الخدمات الإلكترونية»، فهم تلك العبارتين يعني (اللامركزية الإدارية) في بلاد شاسعة كان أمر المركزية في وقت ما ضرورة، أما بعد التقدم التقني والاجتماعي فقد أصبح التخلص من المركزية أو على الأقل تخفيض أعبائها من متطلبات التنمية. التعليم والتأهيل والخدمات الطبية كلها تحت عين المراجعة من أجل تطويرها إلى الأفضل لصالح المواطن. وأيضا مواءمة مخرجات المنظومة التعليمية لسوق العمل مطلب نادت به النخب في الخليج، والآن أصبح هدفًا معلنًا، وقد كان حلاً ناجحًا لتذليل العقبات أمام التنمية في دول أخرى، وحققت به النجاح والازدهار، ربما انتبه قليلون إلى أن ثروة المملكة العربية السعودية ليست فقط ما تحت الأرض، بل ما فوقها، وأعني بها ليس البشر فقط وذلك حق، فقد استثمرت المملكة كثيرا من الثروة من أجل بناء جيل حديث متعلم نشط، ولكن ما أشير إليه من ثروة فوق الأرض هو «احتضانها للمدن المقدسة، مكة والمدينة»، فإن أكثر من مليار إنسان مسلم يتطلع في يوم ما أن يزور نلك المدن المقدسة، ويحقق أمل أداء الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد استثمرت المملكة العربية السعودية بشكل كثيف في العصر النفطي لتوسيع وتسهيل مناطق الزيارة إلى ثاني الحرمين، وهو مصدر اقتصادي ضخم آن الوقت للنظر في استثماره أفضل مما تم حتى الآن، عن طريق ضبط تنظيم الزيارات، وتفعيل الجانب الاقتصادي منها بحانب الروحي، الذي يحتاج إلى إعمال العقل في المواءمة بين الروحي والحياتي بشكل عصري. لم تكن هذه الزاوية بعيدة عن منظور الوثيقة، فقد تحدثت عن «ارتقاء بجودة الخدمة» مع «ارتفاع في طاقة الاستيعاب»، ثم تساءلت: هل يجوز أن نكون في بلاد هي مهبط الوحي، ولا يوجد بها متحف إسلامي؟ الجواب طبيعي، إنه لا يجوز، فالتراث الإسلامي ممتد في أنحاء العالم في متاحف مشهورة، وقد أصبح الوقت ملحًا أن يكون أيضًا في أرض الرسالة. شخصيًا، الالتفات إلى الثقافة في وثيقة الإصلاح على أنها من «مقومات جودة الحياة» كما وصفتها الوثيقة لفتني، فنحن نعيش في عصر تقود الثقافة (بمعناها العام: التنمية)، بل إن هناك دراسات موثقة تقول إن «الثقافة هي قاطرة التنمية إن تعاملنا مع عناصرها الإيجابية، وهي معطلة للتنمية إن احتضنا عناصرها السلبية المعطلة للتنمية». المجال الثقافي لصعوبة تحديده ولكثرة عناصره مطلوب من النخب السعودية أن تنظر في هذا الملف بجدية، وتأخذ مفرداته إلى حجرات البحث والدرس والتشاور، من أجل تفعيل فكرة أهمية الثقافة في التنمية، لأنها بالفعل تحتاج إلى عقول تتعامل على بينة، لعل أولها إظهار الفرق الكبير دون لبس بين العقيدة والعبادات من جهة، والعادات والتقاليد والاجتهادات الإنسانية من جهة أخرى. «الرؤية» طموحة، وكلماتها موجزة، والانكباب على دراسة مجمل نصوصها وتحويلها إلى برامج لها بعد زمني من أولويات العمل الوطني السعودي في نظري. ولا شك لديّ أن هناك نخبّا متعددة تستطيع أن تناقش وتحول تلك الرؤية إلى برامج عمل، فيها من الابتكار والمبادرة ما ينقل المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة بلباس ثقافي محلي.

التعليقات