كتاب 11

11:54 صباحًا EET

بين جيلين

منذ بدء الخليقة ,وهناك صراع دائم بين القديم والحديث, وتتعاقب الأجيال وبينها فجوة تتسع دائرتها حينما يسود التعصب الذى يؤدى الى التصادم الفكرى بين الأجيال المتعاقبة,فالجيل القديم فى أغلبه رافضاً لكل فكرٍ جديد, رافضاً للتغيير,محباً للإستقرار,متمسكاً بالعادات والتقاليد ,وبكل ماإكتسبه فى مشوار حياته من خبرات ,ويرى أنه الجيل الأفضل والأنضج والأقوى بل والأذكى أيضاً,وعلى يقين بأن الجيل الحديث جيل تافه بلا فكر ولا أدب ولاأخلاق ولاتعليم ولايفقه شيئاً فى أمور الحياة,ويجب عليه الإنصات الى نصائح من يكبرهم سناً ,والتنفيذ دون تفكير,ودون نقاش.
وفى المقابل ينظر جيل الشباب الى جيل الشيوخ بأنه جيل,قد أكل عليه الدهر وشرب, جيل شاخت افكاره ,وتحجرت عقوله,وأن مايتمسك به من عادات وتقاليد اصبحت بالية لاتصلح لهذا الزمان,وأن ما إكتسبوه من خبرات مازالت تحتاج الى تعديلات حتى تساير هذا العصر ,معللين ذلك بان لكل وقت آذان,وأنه آن الآوان ليكون لهم دور فى مجتمعاتهم بما يتفق مع متطلبات العصر,وعجلة التطور التى لاتتوقف.
نعترف أن الجيلان بينهما إختلافات كثيرة من الصعب أن تجعلهما يلتقيات ويتوحدان ويؤمنان بنفس الافكار والمعتقدات ,فالجيل القديم,جيل الأمس,نشأ وسط إمكانيات مادية وإجتماعية وثقافية وتعليمية وتكنولوجية بسيطة, لكنه إستطاع أن يعيش ويتعايش معها ,كما أنه فرضت عليه بعض القيود الصارمة كالتمسك بالعادات والتقاليد ,والحفاظ على صلة الأرحام والترابط الاسرى , والزواج المبكر,وإحترام الكبير ,والنزول الى مجال العمل فى سن مبكرة وتحمل المسئولية, وعلى الرغم من تلك القيود إلا أنها أفرزت علماء ومبتكرين ورجال علم ودين.
أما الجيل الجديد فقد توفرت أمامه مالم يتوفر للجيل الذى سبقه, حيث تحسن مستويات التعليم,وتحسن الأوضاع المادية والإجتماعية والثقافية, بالإضافة الى إتساع دائرة الحرية والتعبير عن الرأى ,والتقدم التكنولوجى,الذى وسع مداركه,وجعل الكون أمامه عبارة عن نافذة يتابع من خلالها أخبار العالم ,ويتعرف على عادات وتقاليد آخرى غير التى نشأ وتربى عليها,فاصبح هذا الجيل يتمتع بالعلم والثقافة والفن والفكر والقدرة على المحاورة والمناقشة وإبداء الرأى بحرية بلا خوف لكنه مع كل هذا إستغنى بإرادته عن أشياء أفقدته الكثير,فقد اصبح منغلقاً على نفسه,قاطعاً للرحم ,تتمحور علاقاته الإجتماعية حول مايخرج من شاشة الكمبيوتر ومواقع التواصل الإجتماعى عبر شبكة الإنترنت الدولية ومايستطيع أن يكتسبه من خلالها من صداقات وهمية مع اشخاص وهميين يشاركونه نفس الافكار والمعتقدات.
وحقيقة الأمر أننا لانستطيع إلقاء اللوم على أى من الجيلين,لأن الشيوخ دائما ماستجدهم متمسكين بكل ماهو قديم ومألوف ويرفضون الإنسياق وراء كل جديد,والجيل الجديد يميلون بشكل طبيعي الى الانفتاح,والبحث عن كل جديد,والرغبة في تجربة كل حديث,وكراهية كل قديم,وكل مألوف,وكسر الروتين والجمود ونتيجه هذا التباين بين الجيلين ينشأ الصراع الذى يؤدى الى تمرد جيل الشباب على كل او بعض تلك العادات والتقاليد التى يقدسها الشيوخ.
والسؤال هنا .. هل الأفكار الجديدة التى يميل اليها الشباب ويتبناها وينقلها عن الغرب ويحارب أجداده كى تكون له اسلوب حياة .. هل إستطاع إستخدامها بالطريقة الصحيحة وجنى إيجابياتها وتجنب سلبياتها ؟؟
الإجابة .. أن معظم الشباب إستخدم تلك الافكار بالطريقة الخاطئة,فقد حاول أن يكون مختلفاً عمن سبقوه ليثبت أنه موجود وأن له رأى يخالفهم ولكن إختلافه لم يكن للأحسن ولكن للأسوأ ,فما نراه فى جيل اليوم هو التقليد الأعمى للقيم الغريبة الدخيلة بإسم التطور ومماشاة الواقع الجديد,حتى إنتشرت فى عصرنا هذا الأوبئة الإجتماعية والجرائم البشعة التى تصور مدى عقوق الأبناء لوالديهم , وعدم إحترام الكبير ,وجرائم هتك العرض,والخيانة ,وعدم الإنتماء للوطن,ورفض الرأى الآخر حتى لو كان صائباً,فقد أصابه الغرور الى درجة أفقدته منطقية التفكير.
ومن ثم,فإن المسؤولية الدينية والأخلاقية تلزمنا جميعاً بترشيد توجيهات الشباب,وتنمية الوعي لديهم,وتعديل الميول عندهم,ويجب حث الشباب على أخذ كل جديد مفيد,ورفض كل حديث مضر.وتوجيه الشباب نحوالاستفادة من منجزات العصر العلمية والتقينة والمدنية,ورفض الرذائل الأخلاقية المصدرة الينا من الغرب أو الشرق.
كما أن من الضروري للآباء تفهم متطلبات الجيل الجديد,ومحاولة فهم ما يفكر فيه الشباب والفتيات,والاقتراب منهم أكثر,والتعامل معهم كأصدقاء فذلك هو الطريق الأقصر لمعرفة مايدور في عقولهم من أفكار ,وفي قلوبهم من عواطف,كي يتمكن الآباء (جيل الشيوخ) من توجيه الأولاد نحو الخير والصلاح والفضيلة والإيمان,ومعالجة المشاكل التي تنشأ لديهم نتيجة التغيرات الكبيرة,والغزو الثقافي والفكري الذي يشنه الإعلام ضد عقولنا وأفكارنا وثقافاتنا.

التعليقات