كتاب 11

12:48 مساءً EET

ليبيا تحتاج الدعم لا التدخل

بعد أن انشغلت أوروبا بعض الشيء بالهجمات الإرهابيّة، التي شملت فرنسا وبلجيكا في الأسابيع الأخيرة، ها هي بدأت تثير مسألة التدخل العسكري من جديد لتهيمن على جانب من المحادثات بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
وفي الحقيقة هناك تغييرات على أرض الواقع الليبي حاليًا تجعل الحماسة إزاء التدخل العسكري الغربي تعرف خفوتًا، باعتبار أن مؤشرات كثيرة تؤكد عدم جدوى هذه المسألة.
طبعًا لا نستطيع الجزم بحصول التدخل، حيث كان من المتوقع، حسب بعض الخبراء، حدوثه في منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. غير أن الجديد هو أن احتمالات التدخل، تبدو أكثر قوة لاعتبارات مصلحيّة غربية بالأساس.
فهل أنّه بعد تركيز حكومة فايز السراج والتّوصل إلى الحدّ الأدنى من التوافق يمكن المجازفة بالرجوع إلى الوراء واعتماد نفس الأسلوب التقليدي المباشر في معالجة انحراف الأوضاع؟
في الحقيقة يبدو لنا أن سيناريو التّدخل لم يعد حاليًا صالحًا، بقدر ما أصبحت ليبيا تحتاج إلى الدعم القوي وغير المحدود. ذلك أن سيناريو التدخل الأجنبي العسكري هو بمثابة إضعاف لهذه الحكومة الجديدة وتقوية غير مباشرة لخصومها.
الواضح أن الغرب يفكر دون ذاكرة ودون استخلاص للعبر. فهو معني بالدرجة الأولى والأخيرة بمصالحه الضيقة وعلى المدى القريب دون البعيد منه. وهو ما اعترف به بطريقة غير تفصيلية الرئيس الأميركي باراك أوباما في مقابلة أُجريت له مؤخرًا، معتبرًا أن أسوأ خطأ حصل في فترة رئاسته هو الفشل في التخطيط لما بعد التدخل في ليبيا.
والمتمعن في هذا الاعتراف، يلحظ التقويم النقدي للأطراف التي ترأست التدخل في ليبيا والإطاحة بنظام القذافي.
لذلك، فإن الاتجاه الغالب لدى النخب السياسية الحاكمة في بعض الدول الأوروبية حاليًا هو تغليب سيناريو التدخل العسكري الأجنبي. بمعنى آخر، فإن النية والاستعدادات تتجه نحو معالجة تداعيات تدخل غير مدروس بتدخل آخر، بل ومتأخر جدًا. وإذ نصفه بالمتأخر، فلأنه منذ أشهر طويلة بل منذ قرابة السنتين وأصوات عدّة تطالب بالتدخل في ليبيا وقطع دابر التطرف في بداياته. ولكن كان السكون السياسي الغربي هو المهيمن على ردود الفعل، وكأنه يجب أن تصل الأوضاع إلى منتهى الحضيض كي يتمّ التدخل.
من هذا المنطلق، نرى أنّه تمّ استنفاد أجل التدخل والتوقيت المناسب له، علاوة على أن الحكومة الجديدة ما زالت تتحسس الطريق وأي تدخل حتى ولو حمل إمضاء رئيسها السيّد فايز السراج سيكون ضربة لها.
كما أن الغرب، وهو العالم بدقائق ملف الإرهاب في المنطقة، يُخطئ عندما يعتقد أن التدخل سيكون موجهًا ضد ليبيا فقط، بل هو أيضًا ضد دول الجوار التي ستواجه رغمًا عنها تداعيات الحرب على الدواعش والإرهابيين في ليبيا كما هو الشأن حاليا بالنسبة إلى تونس مثلا.
أعتقد أن سيناريو التدخل وظيفيًا وعقلانيًا قد تم تجاوزه سواء بمعنى الوقت أو بمعنى تراكم إخفاقات التدخل في المنطقة ولنا في المثالين العراقي والسوري الدرس والعبرة. وهو مع الأسف الدرس الذي لم يستوعبه الغرب بعد وما زال يكرر الأخطاء نفسها.
وفي مقابل ذلك، فإن ما تحتاجه ليبيا اليوم هو الدعم الكبير من أجل تقوية الحكومة وجعلها أكثر سيطرة وإدارة للفعل السياسي معقد النزاعات والتجاذبات، إضافة إلى تحقيق الوحدة الوطنيّة. وبقدر ما يؤدي التدخل إلى تقسيم البلاد، فإن إسقاط سيناريو التدخل واستبدال سيناريو آخر به يكون أكثر إيجابية وأقل انعكاسات وآثارًا جانبية سلبية وذلك من خلال إيثار الإسهام في الحل الليبي بطريقة غير مباشرة، إنما يدعم الوحدة الوطنية ويُضعف الخصوم.
إن حكومة قوية تحظى بالدعم من الأمم المتحدة والدول الغربية والعربية قادرة على تحقيق أهداف التدخل العسكري الأجنبي بشكل أقوى، وأيضًا مع تجنب الأضرار الوخيمة للتدخل العسكري، أي أن حكومة السراج مؤهلة لأداء دور الإنابة عن دول التدخل العسكري. والتخطيط كما يبدو لنا ليس صعبًا في هذه المسألة لأن محركات الدول التي تراهن على التدخل العسكري المباشر معروفة، وهي في المقام الأول الذود عن حقول النفط وشركاته الكبرى ووضع حد لمشكلة الهجرة السريّة، أي أن تمركز الدواعش في ليبيا وتزايد أعدادهم ليس الهاجس الأول ولا حتى الثاني، ولو كان كذلك لتم التسريع في ذلك منذ سنتين خلتا دون أن نغفل عن علاقة التنظيمات الإرهابية بملف النفط الليبي بشكل خاص وأساسي.
مشكلة الدول الغربيّة أنّها لا تثق إلا بتدخلها المباشر، رغم كل الفشل الذي لم تتحمل تبعاته الثقيلة المؤلمة غير شعوبنا. لذلك، فإن حكومة السراج أمام امتحان، وفرصة مهمة لإظهار مشروعيتها الوطنية من خلال الوقوف ضد التدخل والعمل على تحويله إلى دعم يشبع حاجاتها.

التعليقات