كتاب 11

01:20 مساءً EET

أحجار العثرة في 2030

كثيرة هي الدول التي وضعت لنهضتنا رؤية واضحة واستطاعت أن تنتقل من حال إلى حال، سنغافورة مثال وآيرلندا آخر، وعمومًا أي دولة تحتاج أن تمتلك رؤية مستقبلية واضحة محددة الأهداف والمدة الزمنية لها برامجها وخططها بمؤشرات قياس معلنة تلزمها إن هي أرادت أن تنهض، فلا تهدر مواردها المادية والبشرية بتخبط، بل توظفها توظيفًا مركزًا، وهذا ما امتلكته المملكة العربية السعودية حين أعلن ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن رؤية 2030.
ورؤية بهذا الطموح العالي والواسع المدى تحتاج أولاً لكسب أصدقاء وحلفاء يعينون قائدها على تنفيذها، فالتغيير المطلوب لن يطال أنظمة وتشريعات، بل سيطال عقليات وثقافة وإدراكًا، وهنا العقدة والصعوبة ومربط الفرس، فإما أن تكون العقول لك عونًا أو تكون لك حجر عثرة تعرقل كل محاولة للسير قدمًا.
وهنا يأتي دور الفريق المنوط به التنفيذ أولاً ثم يأتي دور الإعلام ثانيًا، ليجعلوا من تفاصيل وحيثيات ومنطق هذه الرؤية هدفًا لكل مواطن ومهمة مطلوب إنجازها من كل سعودي وأملاً يتمسك به شباب المملكة، وغاية لها جيشها وجنودها المدافعون عنها.. كل هذا يتيح ازدهارًا للسوق، ودورًا أكبر للمرأة، فكلما كان لهذه البرامج والمشاريع والخطط حلفاء وأصدقاء يؤمنون بها عن قناعة وفهم وإدراك بمكاسبها كانوا هم من يزيح أحجار العثرة التي ستظهر في الطريق.
ما تقوم به المؤسسة الإعلامية السعودية الآن عمل في منتهى الروعة بدأ من اللقاء الأول الذي عرض على شاشة العربية الذي نجح في نقل الحماس إلى كل السعوديين باحترافية استجاب لها ولي ولي العهد فتخلى عن الرسميات ليقترب من القلوب وهو يخاطب العقول، ومرورًا بما تقوم به الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي بجدارة، إنها تَخلق وعًيا وتروج فكرًا تحتاجه عملية التغير، لكن الطموح والعمل المطلوب جبار، إنه يحتاج إلى رؤية إعلامية تتجاوز الاحتفائيات الحالية، فالتغيير في المفاهيم والقيم الاقتصادية التي تحتاجها هذه الرؤية لن يكون بمعزل عن تغيير في كثير من المفاهيم والقيم الاجتماعية، إنه تغيير يعد جسورا على قيم ومبادئ سادت لعقود، أي منذ اكتشف البترول في ثلاثينات القرن الماضي، فهناك بعض من الأدوات الإنتاجية وروافدها أنتجت قيمًا ومبادئ وأعرافًا اجتماعية ممكن أن تسد الطريق، فالسوق القديمة لها سماسرتها ولها (تجارها) ولها سلعها ولها مستهلكوها، كل هؤلاء إن يغيروا أنماط أعمالهم سيجدون أنفسهم فجأة مطالبين بإفساح الطريق لأدوات إنتاج جديدة ومشغلين جدد لتلك الأدوات، فهل سيتيحون الفرص لقوى شابة؟
دعونا نقرب الصورة ببعض الأمثلة، فالرؤية فتحت على سبيل المثال آفاقًا واسعة لمشاركة القطاع السعودي الخاص في إدارة عجلة الاقتصاد بدلاً من الاعتماد على الحكومة.. مشاركة في تنمية القطاع الصحي مثلاً أو التعليمي أو اللوجيستي بل وحتى الثقافي والتراثي. الرؤية التي أعلن عنها وجهت الدعوة لرؤوس الأموال بالاستثمار في هذه القطاعات وبالشراكة مع أكبر الصناديق الاستثمارية في العالم، فأسالت لعاب حتى السوق الدولية لا السعودية فحسب، ففتحُ هذا الباب، أي مشاركة القطاع الخاص، يستدعي أول ما يستدعي تغيير منظومة تشريعية كاملة، وهذه المنظومة لها حراسها ولها سوقها القديمة المحدودة، لكن الرؤية جاءت لتفتح الأبواب والنوافذ مما يستدعي إلغاء وظيفة الحارس من أساسها.
حكومة المملكة العربية السعودية ليست حكومة حديثة النشأة، لذا كان من السهل جدًا توجيه الأمر في دولة كالإمارات لمؤسساتها ولا يحتاج الأمر سوى خلق الكادر المنفذ الذي فصل تفصيلاً على حسب الاحتياج واستحقاقات كل مشروع وبقليل من الحزم والدعم العقاب والثواب التزم الجميع بالتنفيذ، والخروج عن الخط الذي رسمته الدولة كان حالات فردية تناقلت مصيرها الركبان، إنما المملكة العربية السعودية دولة عميقة مثل البحرين مضى على مؤسساتها عشرات السنين تخرجت من بيروقراطيتها أجيال وأجيال، كان السؤال حين بدأنا في البحرين أين سننقل المشغلين الأقدم؟ وكم سيكلف نقلهم حتى نفسح المجال للمشغلين الجدد؟ في بداية الإعلان عن رؤية 2030 في البحرين كنّا نكرر هذا السؤال ولم تكن هناك إجابة واضحة ولا تصور واضح، فهذه الرؤية تحتاج مشغلين بعقلية مختلفة الـ(لا) عندهم استثناء والـ(نعم) هي القاعدة، ولأننا لم نستعد ولم نملك رؤية واضحة للتعامل مع أدوات السوق القديمة قاومت وما زالت تلك الأدوات التغيير المطلوب وتعثرت السوق الجديدة إلى اليوم.
ليس تكسيرًا للمجاديف كما يقال، إنما تنبيه لما قد يعترض الطريق أملاً في تحاشيه، فالرؤية جميلة، إنما تتطلب تكسير أحجار العثرة والتعامل معها بجدية لإزالتها من الطريق.

التعليقات