تحقيقات

02:33 مساءً EET

اغتيال بدر الدين ضربة موجعة لـ «حزب الله»

تلقى «حزب الله» ضربة موجعة باغتيال القيادي العسكري والأمني مصطفى بدر الدين في سورية، بانفجار غامض. وأوضح بيان للحزب أنه يحقق لمعرفة ما إذا كان «ناتجاً من قصف جوي أو صاروخي أو مدفعي». ونفى البيت الأبيض أمس ان تكون طائرات التحالف الدولي قصفت المنطقة حيث قتل بدر الدين. وشُيع بدر الدين الملقب بـ «السيد ذو الفقار» عصر أمس، في ضاحية بيروت الجنوبية وووري الثرى إلى جانب صهره القيادي في الحزب عماد مغنية، الذي اغتيل هو الآخر في دمشق عام 2008 بتفجير عبوة في سيارته في حي كفرسوسة.

وبرحيل بدر الدين (55 سنة) يخسر الحزب أحد رموزه الأشداء والنافذين داخل التركيبة العسكرية – الأمنية، نظراً إلى صلته الوثيقة بالقيادة الإيرانية وخبراته، بعدما لعب أدواراً كثيرة منذ شبابه المبكر تخطت الحدود اللبنانية وتعدّت الأسماء الكثيرة التي تخفّى بها، ومنها الياس فؤاد صعب وسامي عيسى، في مراحل حياته التي اتسمت بالغموض والتمويه المستمر بسبب ملاحقته من أجهزة استخبارية دولية وإقليمية عدة، أبرزها إسرائيل، كونه مطلوباً على الصعيد الدولي من الولايات المتحدة الأميركية كواحد من قادة الحزب «الإرهابيين» وفق تصنيف واشنطن للحزب وعدد من قادته.

وبدأت مسيرة بدر الدين بانتمائه إلى «اتحاد الطلبة المسلمين» (حزب الدعوة) في لبنان وهو في أوائل العشرينات من عمره، ثم إلى «حزب الله»، وسجن في 13 كانون الأول (ديسمبر) عام 1983 في الكويت بتهمة تفجير السفارة الأميركية هناك مع 17 متهماً آخرين، وبتهمة التحضير لاغتيال أمير الكويت، وأصيب في حينها، لكنه استطاع مغادرة السجن بعد غزو صدام حسين الكويت عام 1990، ليعود إلى لبنان ويمارس مهمات قيادية إلى جانب مغنية، حيث تردد اسمه في عمليات خطف الرهائن الأجانب في الثمانينات، التي كانت تتم تحت اسم «الجهاد الإسلامي» وقتذاك. ولعب بدر الدين دوراً في تمتين القدرات العسكرية للحزب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وفي 17 كانون الثاني (يناير) 2011 ورد اسم بدر الدين في قرار اتهامي صادر عن المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بتهمة ضلوعه مع آخرين من مسؤولي الحزب، في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) عام 2005 ، ثم جرى التصديق على القرار الاتهامي من جانب قاضي الإجراءات التمهيدية في 28 حزيران (يونيو) من العام ذاته، وبدأت المحاكمة الغيابية في القضية في 16 كانون الثاني عام 2014، بعدما رفض الحزب تسليم المتهمين، الذين أضيف إليهم مسؤول خامس.

وأظهر الاستماع إلى شهود في المحكمة على مدى الأشهر الماضية، وبينهم من قال إنه عمل سائقاً لدى بدر الدين، أنه كان يستخدم أسماء عدة لممارسة تجارة المجوهرات والتنقل في أماكن لهو وسهر من ضمن نشاطه ويحرص على اعتمار قبعة (كاسكيت). كما تردد أن بدر الدين ساهم في بناء قدرات «حزب الله»- العراق، وانتقل لهذا الغرض إلى بلاد الرافدين بعد إسقاط صدام حسين عام 2003.

وبدر الدين الذي كان وثيق الصلة بالأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، هو المسؤول الرابع للحزب الذي يتم اغتياله في سورية بعد مغنية ونجله جهاد الذي قضى مع مجموعة إيرانية وحزبية بصاروخ إسرائيلي عام 2015 في منطقة القنيطرة على الحدود مع الجولان السوري المحتل، ثم سمير القنطار بصاروخ جوي أيضاً على شقة في منطقة جرمانا. ولف الغموض هذه العمليات وطريقة رصد إسرائيل هؤلاء المسؤولين وتمكنها من استهدافهم.

وازداد تخفّي بدر الدين في تنقلاته، التي اختلفت وتيرتها بعد اتهامه من المحكمة الدولية، خصوصاً أنه تولى مسؤولية كبرى عن قوات الحزب المقاتلة في سورية. وتردد أنه شوهد أثناء التعازي في الضاحية بابن شقيقته جهاد، نجل عماد مغنية، وقيل إنه تواجد في مناسبات أخرى. وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأنه كان يفترض أن يكون بدر الدين في عداد الموكب الذي استُهدف في القنيطرة مع جهاد مغنية العام الماضي، لكنه عدل عن الذهاب في آخر لحظة.

واحتشد عشرات الألوف من المشيعين والمحازبين في تشييع بدر الدين عصر أمس في الضاحية الجنوبية خلف نعشه، ورفعوا القبضات، ونفذوا قَسَم الحزب. وأُطلق الرصاص أثناء مسيرة التشييع. وفيما اتهم أحد أعضاء كتلة نواب الحزب في البرلمان، نوار الساحلي إسرائيل بالعملية، اكتفى نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بالقول حين تقدم المشيعين، إن «الانفجار حصل قرب مطار دمشق وفي أحد مراكز حزب الله، وكان كبيراً… وبسبب وجود احتمالات عدة لم نرغب في أن نستبق التحقيق ونعلن بناء على رؤية سياسية أو رغبة في تظهير بعض الأعداء مقابل البعض الآخر، لكن خلال ساعات أقصاها صبيحة الغد (اليوم) سنعلن بالتفصيل سبب الانفجار والجهة المسؤولة، وسنبني على الأمر مقتضاه». وقال:» تلمّسنا خطوات واضحة تؤشر إلى الجهة والأسلوب، لكننا نحتاج الى بعض الوقت للاستكمال مئة في المئة». لكنه أكد أن «عدونا واحد، إسرائيل ومن معها». ولم يحدد الحزب متى حصل الانفجار مع أنه نعى بدر الدين في الصباح الباكر أمس.

وامتنع مسؤولون إسرائيليون عن التعليق، فيما أعلنت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في بيان أنها «تأخذ علماً بالتقارير التي نُشرت اليوم (أمس) في وسائل الإعلام عن وفاة مصطفى أمين بدر الدين. ولا تستطيع المحكمة أن تقدّم أي تعليق حول هذا الإعلان في وسائل الإعلام قبل صدور قرار قضائي. وستظل المحكمة ملتزمة اضطلاعها بولايتها بأعلى معايير العدالة الدولية». وأبرق وزير الخارجية الإيراني إلى نصر الله معتبراً أن «شهادة بدر الدين ستزيد من عزيمة المقاومة ضد الكيان الصهيوني والإرهاب».

وفي نيويورك، قدم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لمتابعة تطبيق القرار 1559 في شأن لبنان تيري رود لارسن، استقالته من منصبه. ودعا مجلس الأمن في آخر إحاطة له إلى مواصلة الجهود الدولية لدعم انتخاب رئيس للجمهورية، محذراً من أن إعلان «حزب الله» تورطه في سورية والعراق يفاقم مخاطر التوتر الطائفي «وتبعاته على استقرار لبنان».

وأنهى لارسن مسيرة 12 عاماً في منصبه بعدما قدم استقالته إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أول من أمس، وأبلغ قراره الى أعضاء مجلس الأمن في جلسة مغلقة أمس.

وقال مسؤولون في الأمم المتحدة إن مساعد الأمين العام للشؤون السياسية جفري فيلتمان سيتولى متابعة تطبيق القرار 1559 «إلى حين تعيين خلف للارسن» في فترة لم تحدد بعد، علماً أن ديبلوماسيين عرباً وغربيين توقعوا عدم تعيين خلف للارسن قبل انتخاب الأمين العام الجديد للمنظمة الدولية نهاية العام، «لأن قرار التعيين سياسي ويتطلب اتخاذه انتظار الأمين العام المقبل».

ولم يستبعد ديبلوماسيون دمج آليتي القرارين 1701 الذي تتابع تطبيقه الممثلة الخاصة سيغرد كاغ و1559، بسبب «تداخل مسألة سلاح الميليشيات والدعوة الى التقيد بسياسة النأي بالنفس بين آليتي متابعة تطبيق القرارين». لكن مسؤولين في الأمم المتحدة قالوا إنه «لا يزال مبكراً البحث في مثل هذه الخيارات، وهو أمر سيتضح في وقت لاحق». وحذر من «التوتر بين لبنان وبعض الدول العربية الأساسية»، مشيراً إلى قراري جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي إعلان «حزب الله» منظمة إرهابية. ورأى أن «تورط حزب الله في النزاعات في المنطقة مصدر قلق جدي بسبب مخاطر التوتر الطائفي في المنطقة ولبنان». وشدد على ضرورة تطبيق البيان الوزاري في شأن سياسة النأي بالنفس التي أعلنها الرئيس تمام سلام باسم الحكومة مجتمعة. ونبه إلى أنه «كلما طال الفراغ الرئاسي زادت الضغوط على المؤسسات الدستورية، خصوصاً البرلمان والحكومة». ودعا السياسيين اللبنانيين إلى «وقف مقاطعة جلسات انتخاب رئيس للجمهورية»، مطالباً بأن يكون «الدعم الدولي للبنان لحل مسألة الانتخابات الرئاسية مبنياً على أساس أنها شأن داخلي».

واعتبر أن «من الضروري أن يتواصل الحوار بين حزب الله وتيار المستقبل لتجنب التوتر الطائفي بين الجانبين، ورغم ذلك، لا يعد هذا الإطار بديلاً عن استئناف الحوار الوطني وتطبيق قراراته السابقة». كما دعا إلى استخدام زخم الانتخابات البلدية لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية من دون تأخير.

وحذر من «توسع قدرات تنظيمي النصرة وداعش في لبنان، خصوصاً في المخيمات الفلسطينية»، مشيراً إلى «تجدد المخاوف من نشاط التنظيمات الإرهابية والاشتباكات بين حركة فتح والتنظيمات الإسلامية في مخيم المية ومية بعد مقتل القيادي فتحي زيدان بانفجار سيارة مفخخة، وهو ما يؤكد الحاجة إلى نزع أسلحة الميليشيات».

التعليقات