كتاب 11

06:21 مساءً EET

العرب والاتحاد الاوروبي

العرب والديموقراطية والاتحاد الاوروبي نموذج حي للحالة الذهنية الحضارية التي يعيشها عرب بريطانيا في القرن الحادي والعشرين. رغم اتقانهم الانكليزية يعجزون عن مصالحة الصورة النمطية الانطباعية في اذهانهم مع الواقع حولهم خاصة حول  استفتاء الشهر القادم عن البقاء في او الخروج من  الاتحاد الاوروبي.

في عام 1973 بدات عضوية بريطانيا في السوق الاوروبية المشتركة  European Common Community   التي انبثقت عن نادي روما واتفاقية الحديد والصلب في بعد معارضة الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول معتبرا بريطانيا  حصان طروادة امريكي. عندما التحقت بريطانيا بفرنسا والمانيا وبليجكا ولوكسمبورج وهولندا وايطاليا، ربط مجلس العموم، السلطة الاعلى للامة البريطانية، موافقته باستفتاء قومي اجراه رئيس الحكومة العمالية وقتها هارولد ويلسون في صيف 1975 ووافقت اغلبية تقارب الثلثين  على بقاء بريطانيا في اتفاقيات تجارة سوق  مشتركة بين الدول السبع التي كان مستوى المعيشة والدخول والخدمات فيها متقاربا.

وبعد توسع السوق المشتركة ECC  الى المجتمع الاوروبي European Community  EC بانضمام اعضاء جدد كالبرتغال واسبانيا والبلدان الاسكندنافية  واتضاح وجود غرض خفي لتحول اوروبا الى فيدرالية كالولايات المتحدة، قاومت رئيسة الوزراء الراحلة السيدة الحديدية مارغريت ثاتشر اندفاع قطار الوحدة الاوروبية واصرت على بقائها كسوق مشتركة. وهناك من يعتقدون انها احد اسباب ازاحتها من زعامة المحافظين ( المتامرون على ازاحتها كجيفري هاو وكينيث كلارك ومايكل هزلتين من كبار دعاة الوحدة الاوروبية). بعد ازاحتها ب 14 شهرا قبلت معاهدة ماستريخت بتوقيع خليفتها جون ميجور ( وكان رفض ان يضع توقيعه ال  nomination  لتثنية دعمها للبقاء في الزعامة تاركا حامل الاستمارة ينتظر اربع ساعات بحدة الام الاسنان). بدات ماستريخت خطوات التحول نحو دولة اتحادية فيدرالية.

خدع توني بلير الشعب  بالتنصل من وعد الاستفتاء على ” الدستور الاوروبي الموحد” بالتامر مع الزعماء الاوروبيين  لاعادة  تسمية الدستور ” معاهدة لشبونة” (كبائع سيارة  مسروقة يغير الماركة واللون ويبيعها كسيارة مشروعة).

تكرر  خداع الشعب البريطاني من جانب ساسة مشروعهم هو اتحاد فيدرالي اوروبي يلعب دورا اساسيا في الجدل الدائر الان. وكل من معسكري البقاء والاستقلال له اسبابه واهمها بالطبع الدفاع عن المصالح الخاصة ما عدا سبب اساسي مبدئ واحد وهو الديموقراطية وحرية القرار المستقل والتي هي في الجينات السياسية للبريطانيين افرادا وجماعات.

القضايا الاساسية التي يدور حولها خلاف الاستفتاء، هي الاقتصاد، وما اذا كان خروج بريطانيا سيحرر الاقتصاد من القيود ويفتح باب التجارة مع العالم، ام، مثلما يهدد معسكر البقاء بزعامة رئيس الحكومة دافيد كاميرون، سيؤدي الى افقار بريطانيا ويقفل ابواب التجارة مع بقية بلدان الاتحاد الاوروبي ال 27 ؟

والثانية هي الهجرة حيث ادى تدفق مئات الالاف من المهاجرين من بلدان شرق اوروبا الى تدني الاجور لانهم يقبلون  باجور اقل من العامل البريطاني ويدفعونه الى البطالة، بينما يشكلون عبئا على الخدمات والمرافق كالصحة والتعليم والمواصلات والاسكان الذي تعاني بريطانيا من نقص حاد فيه. ارقام الحكومة تقول ان المهاجرين من الاتحاد الاوروبي حوالي مليون، بينما ارقام بطاقات تامين العمل، واطفالهم المسجلين في المدارس، والمسجلين في الاعانات الاجتماعية  والعلاج والخدمات تشير الى ان اعدادهم تفوق مليونين ونصف في السنوات الثلاث الاخيرة.

الثالثة هي القوانين التي تصدرها المفوضة الاوروبية وادت مثلا الى  الاجهاز على  صناعة صيد الاسماك في شمال انكلترا واسكتلندا بالمحاصصة التي  تمكن الصيادين الاسبان والهولندين من الصيد في المياه الاقليمية بينما يمنع الصياد البريطاني من الابحار فيها.

واصدرت المفوضية قانونا  هذا العام مثلا اجبر منتجي السلمون المدخن على اتلاف اكيس التعبئة المعدة مسبقا  ووانفاق مئات الالاف على  اكياس جديدة  مكتوب عليه بخط كبير ” المنتجات تحتوي سمك !”.

وهذا يقود الى اهم  جدل على الاطلاق وهو ان المفوضية التي تصدر هذه القوانين غير منتخبة وغير خاضعة للمحاسبة البرلمانية.

و تعريف الديموقراطية ليس انتخاب دافع الضرائب للحكومة التي تمثله بقدر ماهي سهولة  تخلص المواطن منها  في صناديق الاقتراع اذا قصرت في ادائها او اسائت التصرف في الضرائب التي جمعتها من الشعب.  امريكا هي ولايات فيدرالية، لكن الناخب الامريكي يغير رئيسها كل اربع سنوات ويغير برلمانها ( الكونغرس) في صناديق الاقتراع  وهو خيار غير متاح للشعب البريطاني او اي شعب اخر في الاتحاد الاوروبي  لان المفوضية غير منتخبة  ولاتوجد اية الية لتغيرها  ديموقراطيا.

الملاحظ  غياب  هذه القضايا الاساسية عن مناقشات عرب بريطانيا شفهيا او على وسائل التواصل الاجتماعي. اغلب العرب يؤيدون البقاء في الاتحاد الاوروبي لاسباب عاطفية تستشف من اطروحاتهم التي تكشف تدني وعيهم السياسي الى مادزن مستوى  تلاميذ المدارس الابتدائية. معظمهم تلقى التعليم الابتدائي في زمن الشعار القومجي عن الوحدة (العربية) ” الى ما يغلبها غلاب” وتصور انه في لندن ” واجف فوج الاهرام ”  ينظر بعين العاطفة  ف ” جدامه بساتين الشام”.. و بهذا ال(لا)منطق العاطفي فان اي وحدة بين دول مجاورة لابد وان تكون ايجابية.

الملاحظة الاخرى (وهي تكاد تكون جماعية في الذهنية العربية وحتى الصحافة العربية) هي الانطباعية والتخمين بدلا من البحث عن الادلة والبراهين. فانطباعهم ان المهاجر لابد وان يكون مع الاتحاد الاوروبي ( ويتعجبون من اي شخص اسمه غير انغلوساكسوني يريد الخروج من الاتحاد الاوروبي). انطباعهم ان الاستقلاليين عنصريين معادين للتجانب. وهي خرافة  فالاستقلاليين متشكيين في الاتحاد الاوربي ” الابيض” ويعشقون بلدان الكمونولث الافريقية والاسيوية السمراء  لثقافتها البريطانية). اما  الديموقراطية فلا محل لها من الاعراب في لغة عرب بريطانيا .

في امسية  استضافها صديق عربي حضر  صحفيا مخضرما كان  مديرا  في محطة تلفزيون يدافع بقوة عن الاتحاد الاوروبي ومزاياه. انصت له باهتمام ابن المضيف (  تلميذ دون الثالثة عشرة  انجليزي العليم والثقافة)  فساله ” عمو م….  هل اخبرتني من هو عضو البرلمان الاوروبي الذي يمثل دائرتك ؟ متى التقيته اخر مرة وماذا تناقشتم ؟ فانشغل ” العم” باشعال سيجارة والسعال. وبعد ان وضع المنديل في جيبه ساله الولد الخبيث ” عمو م…. حضرتك ذكرت ان معظم قوانين المفوضية الاوروبية لصالح الانسان العادي ، هل اخبرتنا ما هو سبيل الانسان العادي، كصيادي السمك الاسكتلنديين،  الى تغير قانون ليس ضمن ” معظم” القوانين التي ذكرت انها لصالحه؟

احتاج عمو م…. الذهاب للحمام فورا،  بينما طلب المضيف من الابن الثرثار  الذهاب لتذكير امه بحاجة الضيوف الى مزيد من المشروبات وطباعة التقرير الذي طلبه منه (بغمزة من عين الاب).

التعليقات