كتاب 11

12:05 مساءً EET

حركة «النّهضة» التونسية والعملية الجراحيّة

وفي الحقيقة من الخطأ اعتبار أن هذا المؤتمر نهضوي محض، بل هو تونسيّ، وذلك من منطلق أن الشأن النّهضوي يهم مكونات المجتمع كافة، وله تأثيره على الفعل الاجتماعي والسياسي التونسي.
يُعد هذا المؤتمر العاشر في تاريخ الحركة. وكما نعلم، فإن المؤتمرات آلية مهمة في عمل الأحزاب. فهي أهم ما يمكن اعتماده في فهم توجهات الحركة واتجاهاتها والوثائق الأكثر مصداقيّة في تاريخ أي حزب. وتُصبح المؤتمرات ذات قيمة مضاعفة بالنسبة إلى الأحزاب الموصوفة بالإسلاميّة وخاصة عندما تكون اللحظة بالمعنى السياسي ملتبسة ومثيرة للجدل والخلافات.
نقطة أخرى مهمة، تتمثل في أن المؤتمر العاشر يُعد ثاني مؤتمر علني بعد المؤتمر التاسع الذي انتظم في يوليو (تموز) 2012، فكما نعلم المؤتمرات السابقة كانت سريّة وغالبيتها عُقدت في المنفى.
وإلى جانب الاعتبارات المشار إليها، التي جعلت من هذا المؤتمر موضوعا رئيسيا في تونس، إلى درجة أن السيّد عبد اللطيف المكي القيادي في الحركة وصفه بالتاريخي، فإننا نعتقد أن الأعناق في تونس مشرئبة نحو هذا المؤتمر لاعتبار واحد لا ثاني له.
فالخصوم الكثر لحركة «النّهضة» يريدون مراقبة أدائها إزاء القضية المحوريّة المركزيّة المتمثلة في الفصل بين السياسي والدعويّ. ذلك أن هذه القضية تمّ طرحها في المؤتمر التاسع، وتم إرجاء النظر فيها إلى المؤتمر العاشر.
ونظرا إلى حساسيتها، فإن حركة «النّهضة» قامت بتأجيل المؤتمر أكثر من مرّة وقامت باستفتاء حول ذلك فقط كي لا تجد نفسها أمام إصرار قواعدها على الفصل من أجل استعادة جاذبية وقوة الوظيفة الدّعويّة للحركة. مع العلم أن هذه الوظيفة هي أساس ظهور الحركة ومضمون مشروعها للتغيير الاجتماعيّ.
بالنسبة إلى خصوم الحركة الآيديولوجيين، فإن قضية الفصل بين الدعوي والسياسي ستحشر «حمائم» حركة «النّهضة» في الزاوية، إذ إن فكرة الفصل هي من اقتراح ما يسمى «صقور» الحركة، الذين يتبنون اتجاها راديكاليا ولهم مؤاخذات عدّة ضد المواقف المتخذة في الدستور الجديد مثل المساواة بين الجنسين وقانون حرية الضمير وحريّة المعتقد..
من هذا المنطلق، فإن المؤتمر الذي سينعقد بعد قرابة خمسة أيام سيكون محط أنظار غالبية التونسيين، وأكثر ما سيهتمون به هو الموقف من مسألة الفصل بين الدعوي والسياسي، إذ هي عند الخصوم، إنما تمثل كل جدول أعمال هذا المؤتمر.
الواضح أن ما قامت به قيادات حركة «النّهضة» من تأجيل للمؤتمر العاشر، الذي كان من المنتظر أن ينتظم في صيف يوليو 2012، يعود إلى استبطان أهمية هذه المسألة في تقويم مدى مصداقيّة تطور فكر الحركة ومدى اكتسابها للطابع المدنيّ.
والواضح أكثر أن الحركة قرأت اللّحظة والحقل السياسي الوطني والدّولي، واختارت مواصلة المشاركة السياسيّة والوجود الفعلي في النسيج السياسي التونسي. لذلك فإن مؤشرات عدّة تشير إلى أن حركة «النّهضة» قد استعدت جيدا لسحب البساط من خصومها وقررت أن تضيّع عليهم فرصة مناورتها والانقضاض عليها سياسيا.
هكذا يبدو لنا الأمر، لأن التصريحات التي أدلت بها شخصيات مهمة في الحركة، تظهر أن الحركة حسمت هذه المسألة لصالحها. وهو ما يكشف عنه بشكل لا لبس فيه رئيس حركة «النّهضة» السيّد راشد الغنوشي على هامش فعاليّات الدورة الـ46 لـمجلس شورى حركة «النهضة»، حيث قال حرفيا إن الحركة بصدّد التحول إلى حزب يتفرع للعمل السياسي ويترك بقية المجالات للمجتمع المدني ليعالجها ويتعامل معها من خلال تأسيس جمعيات مستقلة عن الحركة.
إذن نستنتج من خلال هذه التصريحات الواضحة أن حركة «النّهضة» ستتحول إلى حركة سياسيّة فقط وأن العمل الدعوي سيُوكل للجمعيّات.
طبعا هذا الاختيار يعني أن حركة النهضة قبلت بإجراء عملية جراحية تفصل فيها بين وظيفتين: الوظيفة السياسيّة والأخرى الدعويّة.
ومن ناحية سلوك الحركة سياسيا نعتقد أن السياسي هو البعد المُهيمن على ممارساتها على امتداد السنوات الأخيرة لمشاركتها السياسيّة. بمعنى آخر، فإن الحركة صوريا استبقت القرار بالممارسة. وهو استباق مخاتل لأنه غير قائم على تحول فكري نوعي داخل الحركة بل هو نتاج إكراهات المشاركة السياسيّة وسحب البساط من الخصوم الكثر، الذين بقدر ما كانوا – الخصوم – يصرون على اتهامها بالبعد الدّعوي بقدر ما بث ذلك في قيادات النّهضة إرادة تأكيد تغليبها للسياسيّ.
أي إن اليسار ساعد حركة «النّهضة» على الحراك وعلى التكتيك الحذر والذكي.
ولكن يجب ألا يفوتنا أنّه في صورة مصادقة المؤتمر نهائيا على مسألة الفصل، فإن ذلك لا يعني أن الأمر قد أغلق. ذلك أن الحركة دائما متهمة بازدواجية الخطاب وسيكون سلوك الحركة السياسي أكثر من الأحزاب الأخرى تحت المراقبة وفي حالة امتحان دائم لمصداقية توجهاتها ومدنيتها.
أيضا نعتقد أن نقل الوظيفة الدّعويّة إلى المجال المدني ربما يفتح على الحركة حربا من الشكوك والاتهامات المتواصلة، حيث يمكن أن يُفسر الفصل بأنه عملية توزيع أدوار وفصل شكلاني مخاتل لا أكثر ولا أقل.
كانت الحركة عبارة عن وحدة ملتبسة: أحيانا يطغى الدّعوي على السياسي وأحيانا العكس، وكان دائما التشابك يتحكم في العلاقة بين البعدين.
أما مع إعلان الفصل بين الدعوي والسياسي، فإن اللعبة ستكون مكشوفة أكثر: عين على أداء حركة «النّهضة» سياسيا وعين على الجمعيات، التي ستظهر وتأخذ على عاتقها الشق الدّعويّ.

التعليقات