كتاب 11

01:26 مساءً EET

آخر خطاب في القضية

في السبعينات دخل علينا «القسم الخارجي» في «النهار»، زميلنا حافظ إبراهيم خير الله، وكان الوحيد الذي يقرأ الألمانية ويترجم عنها، وقال منفرج الأسارير: «نيالو بهيك موتة». هنيئًا له بهكذا وفاة. وأكمل أن رئيس تحرير كبرى المجلات الألمانية في هامبورغ مات وهو يكتب مقالته.
الأسبوع الماضي اتصل كلوفيس مقصود بزميلنا رفيق خليل المعلوف، حيث يقيمان في واشنطن منذ أربعين عامًا، وقال له: «خرجت للتو من قاعة المحاضرات بعد إلقاء خطاب دام ساعة عن فلسطين». وبعد ساعة من المكالمة، دخل في نزف وغيبوبة أخيرة.
كنا نضحك من كلوفيس مقصود لأنه لا يمكن أن يلقى منبرًا إلا ويعتليه ليلقي خطابًا عن القضية العربية. انضم إلى الجامعة العربية سفيرًا لها لدى الهند أيام جواهر لال نهرو، وأقام علاقة وطيدة مع نهرو وأنديرا غاندي. وبقي اسمه في نيودلهي واحدًا من ألمع العرب الذين دخلوها.
وفي السبعينات، عينته الجامعة سفيرًا في واشنطن والأمم المتحدة، وكان ألمع سفرائها وأكثرهم حيوية. ينتقل من ولاية إلى ولاية ومن جامعة إلى جامعة، محاضرًا ومدافعًا، تسعفه لغة إنجليزية غنية وقلب كبير. وقد استقال من منصبه بعد غزو العراق للكويت، معتبرًا أنه من الخجل التحدث عن التضامن العربي ودولة عربية مستقوية تحتل دولة صغيرة، فيما أن كل مطالعاته قائمة على الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية.
لكن من خلال عمله أستاذًا في الجامعة الأميركية في واشنطن، ظل كلوفيس مقصود أنشط العاملين في القضية العربية في الولايات المتحدة. وكانت زوجته هالة سلام شريكته في حركة حيوية دائمة. وعندما توفيت أنشأ لها كرسيًا باسمها في جامعة جورجتاون للدراسات العربية.
كانت هالة ابنة شقيق الرئيس صائب سلام وابنة شقيقة الرئيس رشيد كرامي. وقد عارض كلاهما زواجها، كما عارضه في البداية والدها ووالدتها. لكن بعد الزواج، تحول كلوفيس إلى الرجل الأحب في العائلة، بجميع أجيالها.
كانت لديه تلك المقدرة العجيبة على إقناع الناس بأنه عقل من أكسفورد وقلب من طيبة. وبهذه الشخصية أسر الأميركيين، سفيرًا وأستاذًا. وكانت له في الهند شعبية لم يعرفها أجنبي سواه. وذات مرة ذهب صحافيان من «الأهرام» إلى دلهي فلم يلتقيا أحدًا لا يعرفه. وذات مرة توقف أحدهما عند بائع ترمس وسأله إن كان يعرف كلوفيس، فلما أجاب بالنفي نادى على زميله من بعيد قائلاً: تعال! وجدت هنديًا لا يعرف كلوفيس.

التعليقات