كتاب 11

03:10 مساءً EET

واجهات سياسية مكسّرة في لبنان!

لو كان الطقم السياسي في لبنان يعرف ما كان ينتظره في عملية الانتخابات البلدية والاختيارية، التي انتهت مراحلها يوم الأحد الماضي، بزلزال سياسي في طرابلس عاصمة لبنان الثانية، لكان استعاض عن الانتخابات بالتمديد للمجالس البلدية، كما جرى التمديد للنواب مرتين، لأن النتائج التي أفرزتها الصناديق جاءت بمثابة استفتاء صادم، أكد رفض الناس للوضع السياسي المهترئ الذي جعل من بلد الأرز مزبلة العصر كما يتردد منذ أشهر!
هل يمكن القول إن هذه الانتخابات، التي أشعلت الضوء الأحمر في وجه الأحزاب والقوى السياسية، والتحالفات الطائفية، والثنائيات المذهبية، والزعامات التقليدية، ومرجعيات الوصايات الفوقية، قد دقت المسمار الأول في نعش الفساد، وأكدت النقمة العميقة لدى اللبنانيين من الوكالات السياسية الحصرية، والقنوط من العبث السياسي الذي يضع البلاد على حافة الانهيار؟
سيحاول البعض التخفيف من عمق الجراح السياسية التي لحقت به، عبر القول إنها كانت عملية على أُسس إنمائية وعائلية، وخصوصًا في البلدات والدساكر، لكنها في الواقع كانت عملية سياسية بامتياز، ليس لأن المواطن اللبناني لم يقرأ برنامجًا واحدًا واضحًا ومحددًا عن خطة إنمائية فحسب، بل لأن الأحزاب خاضت الانتخابات من منطلق أنها ستشكّل تأكيدًا على نفوذها وإمساكها بالأرض، ما يرفع من أسهمها في أي انتخابات نيابية يُفترض أن تجري في مايو (أيار) من العام المقبل، بعد انتهاء مدة التمديد الثاني للمجلس النيابي المعطل تقريبًا، والعاجز حتى الآن عن الاتفاق على قانون جديد!
كانت الأحزاب والتحالفات والزعامات غارقة في تضميد جراحها بداية هذا الأسبوع، عندما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري إن الانتخابات البلدية أكدت أن هناك تغييرًا في المزاج الشعبي العام، ينبغي على السياسيين رصده والتقاطه، وإن الذي لا يلمس هذا التغيير يكون إما أعمى أو أغشى.
لكن ليس هناك من عميان أو من نزلت الغشاوة على أعينهم كي لا يروا أن المساحة السياسية الممتدة من الناقورة في الجنوب، حيث تبرز الثنائية الشيعية بين «حزب الله» و«حركة أمل»، إلى عكار حيث نزلت الثنائية المارونية بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية»، مرورًا بالمزاج الشعبي المتبدل في بيروت ثم طرابلس، كل هذه المساحة يكسوها الزجاج الحزبي والسياسي والزعاماتي المكسر، فلقد سقط الكثير من الواجهات السياسية، مما يؤكد أن أي انتخابات نيابية ستشهد ارتفاعًا في الاعتراض والرغبة في التغيير.
عندما يقول بري: لا تستخفوا بالآثار التي ترتبت على فضيحة النفايات، وحتى لو أزيلت من الشوارع، إلا أن الروائح الكريهة لا تزال تعمّ الشارع اللبناني، ولا تستهينوا بأزمة المؤسسات الدستورية، من غياب رئيس الجمهورية إلى تخبط الحكومة، مرورًا بتعطيل السلطة التشريعية، فإنه يعني ضمنًا أن الروائح السياسية الكريهة أزكمت اللبنانيين أخيرًا، وقرروا أن يحاسبوا في صناديق الاقتراع، ولأن شجاعة مواجهة التابويات الحزبية والوصايات الطائفية والمذهبية عملية تصاعدية ككرة الثلج، فإن الرغبة في التغيير يمكن أن تأخذ شكل تسونامي يجرف الكثيرين من الواجهة السياسية في أول انتخابات!
وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق يلتقي مع الرئيس بري في دعوة القوى السياسية إلى إعادة النظر في أدائها وعناوينها السياسية، فالأحزاب مطالبة بمراجعة حساباتها والدولة أيضًا مدعوة إلى مراجعة وتصحيح سياساتها، لكن ذلك يتطلب كثيرًا من الشجاعة والمسؤولية واستدراك الوعي لمواجهة الحقائق، بدلاً من الاستمرار في الهروب إلى الأمام.
ليس من المغالاة في شيء أن يقول وزير الداخلية إن نتائج الانتخابات البلدية هي التي أنقذت لبنان من أن يتحوّل دولة فاشلة، هذا كلام له مدلول عميق: أولاً لأنه يعني أن لبنان كان يسرع الخطى على طريق التعطيل واستشراء الفساد وتراجع هيبة القانون والتحلل المتزايد من الانتظام العام، وثانيًا لأن الزلزال الذي ضرب الوسط السياسي، والذي كان يدفع لبنان على طريق الدولة الفاشلة، يفترض أن يستيقظ الآن إن لم يكن لاستنقاذ لبنان، فعلى الأقل لإنقاذ نفسه من النقمة الشعبية العميقة على ما حصل مثلاً في طرابلس، عندما اجتاحت لائحة وزير العدل أشرف ريفي لائحة تحالف كل المليارديرات والعائلات، أي الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، وأيضًا الوزيرين السابقين محمد الصفدي وفيصل كرامي، وكذلك «الجماعة الإسلامية» و«الأحباش».
وتدليلاً على تبدل المزاج الشعبي العام وعلى عمق الرغبة الشعبية في التغيير، بعدما وصل الوضع في لبنان إلى هذا الدرك من تعطيل الدولة، وانهيار إحساس المواطن بجدوى العلاقة بين سلطة تغرق في المنافع الخاصة ومواطن يُترك في الإهمال، قد يكون من الضروري التذكير مثلاً بأن سعد الحريري كان يريد أن يأتي بريفي رئيسًا للحكومة قبل أن تتم التسوية عبر الرئيس تمام سلام، وأن ميقاتي قاتل جماعة 8 آذار من أجل أن يبقى ريفي على رأس المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، لكن ريفي عرف كيف يلتقط النفس الشعبي ويخوض معركة كانت أشبه بزلزال في وجه تحالف هؤلاء الأقطاب!
في ظل كل هذا يرتفع الآن دوي الخوف والحذر من الانتخابات النيابية التي قد تكون نتائجها كارثية على الكثيرين، قياسًا برغبة اللبنانيين في التغيير وكسر التابو وإسقاط الوصايات حزبية ومذهبية، ولهذا فإن محور الاهتمام هو القانون الذي سيعتمد في الانتخابات النيابية، التي يفترض أن تجري في مايو من السنة المقبلة.
ليس سرًا أن الخلافات الأبدية على قانون الانتخاب تنطلق من رغبة الكثيرين في أن تكون حصتهم مضمونة سلفًا في أي انتخابات جديدة، ولهذا فإن «قانون الستين» الذي يقوم على قاعدة الأكثريات الجارفة يبقى بالنسبة إلى هؤلاء الورقة المفضلة، في حين يرفضه الذين يريدون قانونًا أكثر عدالة ومنطقًا يعتمد النسبية التي من شأنها إلغاء ما تعوّد اللبنانيون على تسميته المحادل والبوسطات بمعنى أن البلوكات المذهبية الجارفة هي التي تقرر عن نفسها وعن الآخرين.
لهذا يبدو الجميع أمام «كأس السم»: هل يتجرع اللبنانيون مجددًا قانون الستين الكارثي الذي تريده بعض الأحزاب، أم تتجرع هذه الأحزاب قانونًا يعتمد على النسبية المخيفة وقد بدت طلائعها في صناديق الانتخابات البلدية؟ أم يصير التمديد مرة جديدة ثالثة لمجلس النواب البائس، بحجة أنه لم يتم الاتفاق على قانون جديد وأن قانون الستين مرفوض.
الرئيس بري يكرر منذ أشهر وبنبرة عالية، أنه لا مجال لتمديد فضائحي جديد، وأنه لا بد من النسبية وفق صيغة عادلة ومنصفة، وقد باتت أكثر إلحاحًا وضرورة في ضوء المزاج العام الذي ظهّرته الانتخابات البلدية، لكن الخلاف مستمر على جنس ملائكة هذا القانون!

التعليقات