كتاب 11

03:38 مساءً EET

الإخوان والزمان

لا أقصد بالإخوان هنا «حركة الإخوان»، وإنما أقصد كل حركات الإسلام السياسي في عصرنا الذي نعيشه، بكل ألوانها المذهبية و«الاجتهادية»، وكل من اطلع على تاريخ المسلمين، ولا أدعى الإحاطة، يعرف أن في كثير منه تاريخ «فتن»، كما جاء في الاصطلاح، أي حروب بين مختلفين سياسيين، ادعى كل منهم تفسيرًا خاصًا به للإسلام! في الوقت الذي يقرأ فيه المسلم المستنير أن الإسلام بحد ذاته وبتاريخ المسلمين الأطول هو «إرادة عيش مشترك للأمة»، وقد عرف أنواعًا مختلفة من الحكومات والتنظيمات. ما يريد «الإسلام السياسي» أن يقنعنا به في الزمن الحالي، أن هناك «نوعًا واحدًا من التنظيمات أو على الأقل نوعين» لا غيرهما يصح أن نطلق عليها حكومات إسلامية، هما التنظيم السياسي للمسلمين لا غيره «الخلافة والإمامة»، وليس أكثر من تلك التوجهات خروجًا عن تاريخ المسلمين الطويل، المثال واضح لا يحتاج إلى تفسير. في العصر الحديث هناك حكومات ملكية تقليدية ومحاولات من الدمقرطة البرلمانية ورغبات في الديمقراطية الشعبية، كلها تحكم مجتمعات مسلمة. ربما تاريخ نشأة الإخوان المسلمين في مصر وتفرعاتهم هي التي فرضت نوعًا محددًا من التفكير في إدارة المجتمع المسلم، ربما بسبب الصراع مع المستعمر، وفقدان الخلافة المفاجئ لدى البعض، جعلت من التفكير السياسي لهذه الجماعة والأخرى المتفرعة منها تفكيرًا أقرب إلى المثالية السطحية، ونحن نعرف الآن تأثير حركة الإخوان، كما أثبت عدد من المؤرخين المعاصرين، على بدايات التعامل السياسي لرجال الدين الشيعة، لقد كانت حلقة الوصل بينهما النجف، وفي الخلفية لكليهما مرة أخرى حرب المستعمر و«ذيوله»، كما كانت تسمى، ثم تحول العداء للمستعمر عداءً للمجتمع، واختلط الاجتماعي بالسياسي. الفكرة الأساسية أن المبادئ القرآنية لم تأتِ بفلسفة سياسية ونظام حكم معين، كانت نصوصًا عامة لها جناحان الأول «طاعة ولي الأمر»، والثاني «الشورى»، ولو ظهرت حركات الإسلام السياسي في أجواء بعيدة عن الصراع المحتدم، لربما أنتجت فكرًا سياسيًا حديثًا يتواءم مع الواقع ويساير العصر ويقدم الشورى لوضوح الإصرار عليها في النصوص، إلا أن ميلادها ورجالها الذين تصدوا «للدعوة لها» كانوا حبيسي محبسين؛ الأول عصرهم، والثاني محدودية اطلاعهم على تاريخ المسلمين وعلى مطالب العصر. من هنا جاءت أزمة «الإسلام السياسي»، الذي يتمثل لنا اليوم في أزمة جماعة النهضة التونسية التي تخوض تحولاً صعبًا للتحول من «حركة شمولية إلى حزب وطني» وكما يتمثل في أزمة الحكم في طهران الذي دمج بين الروحاني والزمني في خلطة ليس لها إمكانية الاستمرار، ومن ثم تتمظهر الأزمة في أكثر الأشكال تأزيمًا («داعش» و«القاعدة») وأمثالهما. اختلاف الأعراف والأجناس والمصائر التي دخلت الإسلام تاريخيًا أعطته غنى في النظر إلى المعاملات وحاجات الناس، كما أعطته ثباتًا في العبادات والعقيدة. النزاعات والحروب و«الفتن» التي قامت بين المسلمين لم تكن بدافع ديني، بل كانت بدافع سياسي، وشهوة الاستيلاء على الحكم والسلطة لا خدمة الناس مغطاة بشعارات إسلامية. لذلك لم يكن هناك عصر ذهبي يمكن العودة إليه، كان هناك عصور تسامح ونهضة، وكانت هناك عهود تشدد، بحسب الظروف الاقتصادية وغالبًا السياسية السائدة، لم يكن ذلك مثلبة في الإسلام ورسالته، كانت مثلبة في فهم النصوص وتطويعها لخدمة أغراض سياسية. ليس في الإسلام تقديس شخص أو أشخاص بعينهم، كما ليس فيه «عصمة لمخلوق» أليس علينا التفكير لماذا لم يبدأ التاريخ الإسلامي مثلا بسنة ميلاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أو سنة وفاته؟ بل بدأ التاريخ الإسلامي بسنة الهجرة، أي أنه يعتمد على الفكرة لا الأشخاص، فكيف لنا أن نقتنع بعد كل هذه القرون أو يقتنع مسلم بتقديس شخص أو عصمته!! في تاريخ المسلمين الطويل قائد الأمة هو حاكم زمني مكلف بتطبيق الشريعة، وطريق وصوله إلى الحكم هو (البيعة) أي رضا المسلمين في البلاد الذي يسكنونها عنه، كلا الأمرين «تطبيق الشريعة» و«الرضا الشعبي» أصبح لهما مسميات خبرتها شعوب أخرى هي القوانين والأنظمة والمؤسسة، وطريقة اختيار الحكام التي لم تعد شخصًا بل مؤسسات، وفي هذه الحالة من الضيم أن نقول إن لنا «حالة خاصة في الحكم» تختلف عما وصلت إليه البشرية قاطبة، الاختلاف ممكن في التفاصيل ولكن ليس في الجوهر.
حركات الإسلام السياسي الحديثة وقعت فيما يسميه البعض «فخ التمامية»، أي الوصول إلى أعلى درجة من المثالية في الكلام والدعوة، وتناقض في التطبيق المتنازع عليه في الواقع، هذا ما أوصل تلك الحركات القائمة – وفي ظني – والحركات القادمة إلى الطريق المسدود، إلا أن الجانب الآخر المسكوت عنه، أن التيارات والأنظمة السياسية التي قامت في فضائنا العربي بعد الحرب العالمية الثانية، اتجهت في أغلبها إلى «إدارة قضية الإسلام السياسي» لا «حلها»، والفرق واضح، فاليوم نرى صراعًا واضحًا أو مستترًا بين الحركات السياسية التي تدعي الإسلام والأنظمة القائمة، لأن الحلول الفكرية لم تطرح بعد، واستغنت كثير من الأنظمة عن الجهاد التفكيري الذي يقود إلى حلول واضحة، إلى التعنت في الإقصاء من جهة، واحتضان التفكير الديني غير المبرمج من جهة أخرى.. هذا النوع من الإدارة يؤجل ظهور الصراعات، ولكن لا ينفيها. «فخ التمامية» من جهة أخرى أقنع جمهورًا واسعًا يرى أن «الماضي الذهبي» ضمان للمستقبل، هو الذي أقعد حركات الإسلام السياسي في كثير منها عن التفكير خارج الصندوق والتفاعل الإيجابي مع محيطها. ألا يلفت أن المؤسسات التي أقامتها حركات الإسلام السياسي في معظمها – إن لم يكن كلها – لها عنوان واحد هو «الإصلاح»، إلا أن هذا الإصلاح المرتجى لم يتوقف أحد ليسأل عن أي إصلاح تتحدثون؟ وما برنامجكم الإصلاحي؟ الواقع البائس الذي يعيش فيه الناس جعل من تعلقهم بمفهوم الإصلاح مثاليًا وضبابيًا في نفس الوقت، لذلك الأمر خلفت تلك الحركات وراءها الكثير من الانشقاقات والصراعات و«الإرهاب» بأشكاله، ولم يكن أمامها في سبيل البقاء إلا عزل المنشقين، ومن وصل منها إلى الحكم استخدم ويستخدم أقصى العقوبات المعروفة للبشر في قمع الآخر وعزله وأيضًا تصفيته! هناك أسئلة كبرى لم تناقش بالجدية الكافية، والجميع يخوض اليوم في بحور من الدم من اليمن إلى سوريا إلى العراق إلى ليبيا، ودول أخرى مرشحة أن تدخل في هذا المستنقع، من تلك الأسئلة ما المعنى الخفي من «المعصوم» في التفكير الإسلامي؟، يجمع الثقاة أن المعصوم هو الرسول لا غيره من الرجال، معاصريه أو من جاء من بعده! ما المقصود من «البراءة»، التي يُضلل بها كثير من شباب اليوم؟ هي فكرة خارجة عن أسس الإسلام كما عرفه أكثر الثقاة وأعمقهم علمًا. ما المقصود بالعرفان الذي في أغلبه معتمد على أساطير سادت في إيران القديمة؟
كل تلك الأسئلة الواجب طرحها بين الناس لم تطرح حتى الآن، وكثيرون يتشدقون بها دون علم أو فهم لمعانيها، من هذا الباب تخوض شعوبنا اليوم بحر الدم في شكله المحدود أو الواسع، إلا أن المعركة الفكرية هي الأساس.
آخر الكلام:
الشعار الإسلامي أصبح في عصرنا المصدر الأول لتوليد الحماسة لدى الجمهور العام، إلا أن تطبيقاته المنحرفة أخذت كثيرًا من تلك الجماهير إلى المجهول.

التعليقات