كتاب 11

03:28 مساءً EET

عطب في المصعد الاجتماعي؟!

لطالما كان التعليم في المجتمعات العربية يمثل مصعدًا اجتماعيًا. أي أن التعليم شكّل على امتداد عقود عدة الوسيلة المثلى للنهوض الاجتماعي والاقتصادي ومُحاربة الفقر والخصاصة والجهل. لذلك، فإن المدرسة قد حظيت بمخيال إيجابي، إذ إن التعليم كان يمثل في تمثلات مجتمعاتنا قيمة إيجابية في حد ذاته.
غير أن هذا المخيال الإيجابي بدأ يعرف نوعًا من السلبية على نحو يكشف عن حصول عطب ما في المصعد الاجتماعي على المستوى الرمزي والتصور.
طبعًا من المهم الإشارة إلى أن مؤسسة المدرسة تشهد منذ سنوات أزمة حقيقية حتى في البلدان الموصوفة تقدمية، وهنا نستحضر كتابات عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو الذي انتقد المدرسة في فرنسا بشدة، وأيضًا أوليفي قالون الذي حمّل المدرسة مسؤولية شعور الشباب الفرنسي بالخوف من المستقبل أكثر من بقية شباب أوروبا.
ولكن أسباب تراجع النظرة إلى المدرسة تختلف من سياق وبيئة اجتماعية ثقافية إلى أخرى. ولعله في هذا الوقت بالذات، الذي يستعد فيه التلاميذ والطلبة في العالم العربي إلى الدخول في العطلة الصيفية بعد انتهاء السنة الدراسية، من المفيد أن نطرح مسألة التعليم في بلداننا التي تعرف مشكلات عدة، وما زالت وزارات التربية والتعليم العالي تتخبط من أجل تحديد سبل معالجة المنظومات التربوية.
السؤال الجدير بالطرح: لماذا فقدت المؤسسة التربوية جاذبيتها الاجتماعية عند فئة الشباب تحديدًا؛ القلب النابض للمجتمع؟
من المهم التذكير بمعطى مهم جدًا وأساسي، يتمثل في أن البلدان العربية دون استثناء تقريبًا راهنت منذ تاريخ استقلالها على مجال التعليم، واعتبرته قاطرة التنمية والخروج من التخلف. وهكذا تكوّن المخيال الإيجابي للتعليم، وأصبح المتعلم صاحب حظوة اجتماعية وتقدير خاص. فكانت المهن الأحلام تدور حول الطب والمحاماة والتدريس، وهي، كما نرى، مهن ذات مضامين إنسانية نبيلة. ومن البلدان العربية التي عرفت تجربة نوعية في مجال التعليم نذكر تونس، حيث راهن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة على التعليم، وخصص له ثلث ميزانية الدولة من خلال استراتيجية، جمعت بين مجانية التعليم ودمقرطته. ولكن تونس أنموذج البلدان التي تغلغلت فيها صورة التعليم بوصفه مصعدًا اجتماعيًا، فإن هذه الصورة تعاني من شيء من التلف تعبر عنه بوضوح مفزع الأعداد الهائلة من التلاميذ المنقطعين عن الدراسة في التعليم الثانوي، من ذلك أنه في سنة 2012 بلغ عدد المنقطعين 100 ألف تلميذ.
وإذا ما انتبهنا إلى بعض الظواهر، مثل ظاهرة العزوف عن القراءة والمطالعة، والأرقام المفزعة التي تُعبر عن تواصلية سلبية بين العربي والكتاب، فإننا نستطيع أن نحدد عمق المشكل، وفي أقل الحالات يتم تأكيد إثباته وفق معطيات تبرز تفرعات المشكل ومدى تشعبه.
تعيش اليوم المؤسسة التربوية تحولاً على مستوى الصورة: الانتقال من صورة المصعد الاجتماعي وبوابة المكانة الاجتماعية المرموقة إلى صورة المؤسسة المنتجة للعاطلين عن العمل وغير الضامنة للمستقبل الاقتصادي.
وكما نلاحظ، فإن المؤسسة التربوية أصبحت تقيّم على أساس اقتصادي لا وفق معايير معرفية. وهو ما يعني أن وجاهة المعرفة ليست قيمة أساسية في مجتمعاتنا، علاوة على أن المنظومة المعرفية التربوية أخفقت في تعميق الصلة بالمعرفة، الأمر الذي يؤكده تراجع المستوى المعرفي الثقافي للتلاميذ وطلبة اليوم مقارنة بالأجيال السابقة.
طبعًا لا يخفى على أحد أن ثقافة العولمة وتغلغل القيم الاستهلاكية والربح السريع والإغراق في المادية أسهمت بشكل أساسي في تأزم المنظومة التربوية والتعليمية في العالم اليوم، باستثناء بعض التجارب الذكية جدًا في العالم.
وموضوعيًا يمكن القول إن تردد المضامين التربوية والسياسات غير الواضحة قد أثر سلبًا على مستوى ليس فقط الجودة العلمية للمتخرجين، بل أيضًا على خصوص العلاقة بالمعرفة والعلم والثقافة. ومما يزيد من حدة هذه المشكلة أن شبكات الإرهاب تقوم بانتداب فقراء المعرفة في مجتمعاتنا، أي أن السياسات التربوية وما تقترحه من مضامين تتحمل جزءًا من المسؤولية باعتبار أن الإرهاب لا يعشش إلا في العقول القاحلة معرفيًا.
يبدو لنا أن معالجة الكثير من المشكلات في مجتمعاتنا لا يمكن أن تتم بتجاوز المؤسسة التربوية، فهي من مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأولية، وترافق الفرد في مراحل تكوين شخصيته سواء في مرحلة الطفولة أو الشباب. من هذا المنطلق، فإن هذه المؤسسة تحتاج إلى إعادة تفكير تأخذ بعين الاعتبار الواقع الداخلي والواقع العام. ولعل أكثر شيء يمكن التركيز عليه في عملية إعادة التفكير المشار إليها هو كيف تصبح المدرسة في بلداننا مصعدًا إنسانيًا وثقافيًا، وكيف تكون طريق الخلاص من الفقر المعرفي بالتوازي مع التخلص من الفقر المادي؟

التعليقات