كتاب 11

03:05 مساءً EET

ضاقت الواسعة!

حملت الأنباء أن مجموعة من العراقيين اجتمعوا في باريس لتأسيس كيان سياسي عابر للطائفة والمنطقة والعرق والديانة٬ في محاولة للمساهمة في السير على طريق طويل لإخراج العراق من المأزق المأساوي الذي وصل إليه٬ هذه ليست المحاولة الأولى ولن تكون الأخيرة في البحث عن مخرج للمأزق العراقي. الشعوب٬ كما الأمل٬ لا تموت٬ ما يموت هو محاولة حرف التاريخ عن مساره. القوى السياسية الحالية التي قبضت على السلطة بعد الاحتلال الأميركي للعراق٬ هي التي لها زمن محدد وتنتهي صلاحيتها٬ لقد همشت الآخرين وقزمت الوطن وتقوده حثيًثا إلى التمزق٬ بالطبع هذا ليس تهويًنا ولا تشجيًعا لأي طرف على أن يأخذ الأمور إلى التشدد والتطرف٬ بل هي قراءة لمسيرة المجتمعات في العصر الحديث٬ لا ينهض مجتمع معتمًدا فقط على الأساطير أو على مكون واحد وعدد قليل من المكونات. لقد قال أحد الناجين من مأساة الفلوجة الأسبوع الماضي: «ضاقت بنا الواسعة». وهو تعبير شعبي بالغ المعنى٬ ثم أردف: «كنا بين نيران الحشد الشعبي٬ ونيران (داعش)٬ والحمم تنصب علينا من السوخوي (طائرات السلطة العراقية) فإلى أين المفر؟!». تاريخ العراق المعاصر يكرر نفسه٬ من حيث الرمز ومن حيث الشكل تقريًبا بالسياقات نفسها٬ فرئيس الوزراء حيدر العبادي٬ استعداًدا للمعركة في الفلوجة٬ كما قال٬ ارتدى الملابس العسكرية٬ وهو الذي يشبه صدام حسين٬ كلاهما كما أعتقد لم يدخل كلية عسكرية في حياته! ومع ذلك يتمنطق الملابس العسكرية٬ ما كان ينقص هو النياشين. ذلك من جهة٬ ومن جهة أخرى يختار الحشد الشعبي أسماء لمعاركه٬ ويكتب على صواريخه أسماء أخرى٬ كما فعل بالضبط صدام حسين٬ في ترديد غير خفي بأن الضحية السابقة تقلّد جلادها!

الصراع الطائفي في العراق سوف يستمر لعدد واضح من الأسباب٬ فعادة ماُيبقي الطرف المستفيد على النار مشتعلة لا لغرض٬ إلا لأنه يريد أن يبقى في الساحة٬ هكذا هي إيران في العراق٬ فلو انتهى الصراع الطائفي في العراق٬ فأي مبرر سوف يبقى لإيران بأن تستمر هناك؟! وعليه٬ فإن من مصالحها الإبقاء على النار مشتعلة٬ كما هي معظم القوى السياسية الحالية القابضة على السلطة٬ الصراع المذهبي يطعمها زاًدا سياسًيا. من جهة أخرى٬ فإن تاريخ العراق الحديث يمكن أنُيسمى بارتياح تاريخ «الإقصاء» والتشرذم٬ فهناك جمهور مسيس يفتقر بشدة إلى فكر سياسي حديث٬ ولم يتعلم أحد من مغبة شرور الإقصاء الذي تم على فترات منذ الانقلاب العراقي على السلطة عام ٬1958 حتى اليوم٬ فالمرجح في غياب خيال سياسي وشجاعة وتخٍّل عن الغنائم الصغيرة٬ أن يستمر الصراع الطائفي في العراق٬ سواء سقطت غًدا الفلوجة أو حتى سقطت ذات الربيعين الموصل بعد غد.

الحل السياسي والعقلاني لم يقترب بعد في العراق٬ لأن الحل ليس في حشد الناس وتسليمهم للسلاح٬ بل في إطعامهم٬ وإيجاد فرص عمل لهم. في غياب الفكر السياسي الحديث وحل للمعضلة الاقتصادية٬ فإن الصراع طويل ومرير٬ ليس فقط بوجود «داعش»٬ وإنما بخروج تنظيمات أخرى على السطح من أحزمة المهمشين حول المدن قد تتخذ لها أشكالاً مختلفة وأسماء متفرقة.

أول ماُيشاهد في المشهد العراقي اليوم محاولة وضع غلاف مذهبي (ديني) على الحكم٬ يتجلى ذلك في مركزية «المرجعية» بين الفرقاء السياسيين٬ ودورها الفاعل في توجيه بوصلة العمل السياسي وحتى العسكري في العراق. حتى القريبون من الفكر الحداثي تراهم يحجون إلى المرجعية طلًبا لتأييدها٬ وهو شكل ملتبس للحكم الديني المستتر. أما المشهد الثاني فهو قيادة رجال دينُمعممين لكثير من القوى السياسية٬ مرة أخرى في تقليد غير مكتمل لما حدث في إيران٬ ويرى كثيرون أن حكم رجال الدين «السافر أو الخفي» وإن بدا في اللحظة التاريخية هو المسيطر٬ ليس له مستقبل حقيقي في الحكم وقدرته على تقديم حلول معيشية للناس محدودة٬ عدا تجنيدهم وزجهم في معارك عبثية٬ كانت هنا آراء مبكرة بأنه لا يمكن تكرار ما حدث بإيران في العراق٬ إلا أن تلك الآراء سريًعا ما دفعت إلى الخلف٬ وأصبح طلب رضا «المرجع الديني» أكبر مما يحتمل العراق بمكوناته المختلفة. ذلك من جهة٬ ومن جهة ثانية أن النشطاء في التيار الديني ­ السياسي يؤمنون بشكل راسخ بأنه لا يسمح للتعددية في «المرجعية»٬ يذكرنا هذا القطع في الرأي بفلاديمير لينين٬ الذي قال لا يمكن أن يوجد حزبان شيوعيان في بلد واحد٬ بالتأكيد أحدهما «خائن»! وُيستخدم في عدم قبول التعددية المرجعية في الفضاء العراقي ­ الإيراني٬ مفهوم آخر هو «مهرطق»٬ إن حدثت التعددية المرجعية! هذا المنطق يأخذنا إلى بعد آخر٬ هو أن وحدة المرجعية تعني بالضرورة التبعية لإيران٬ وهو أمر يصعب للضمير الوطني العراقي أن يتعايش معه لفترة طويلة. لقد أدت هذه التبعية والسير خلف المرجعيات إلى أن يكون العراق اليوم أعلى مرتبة في الدول التي أقرت أكبر عدد من الأيام كعطلات عن العمل٬ بلغت حتى الآن مائة يوم في العام٬ أي ثلث أيام السنة تقريًبا٬ في بلد يعاني من الوهن الاقتصادي٬ لأن المرجعية قررت أن تحتفل بمناسبة أو أخرى لها علاقة بالنشاطات الطائفية! بجانب هدر المال والفساد الذي يشكل العراق اليوم قمة الهرم الدولي فيه٬ إلا أن العطلات تزيد من التعويق الاقتصادي الذي هو بالأصلُمعوق! رواية «الحبل» التي أصدرها كنعان مكية أخيرا (2016 (تمثل هذا المأزق الذي يشعر به مناضل عراقي من الطائفة الشيعية الذي اكتشف الفرق الهائل بين ما تمناه لوطنه من خلاص من الديكتاتورية٬ ودخول إلى حرية ليبرالية منفتحة٬ وما انتهى إليه من صراع مذهبي٬ مكية في هذه الرواية يسرد كمية الإحباط الذي يشعر به المناضل العراقي الذي انتقل من فساد نسبي إلى فساد مطلق٬ ومن تضييق للحريات إلى قتل بالمسدسات الصامتة في وضح النهار.

هذا المشهد العراقي بالغ السواد لن تنقذه المداورة ولا النفاق السياسي٬ فقد أثبتت القوى السياسية المسيطرة فقرها في مواجهة متطلبات يحتاج إليها العراق ويستحقها العراقيون٬ ومن الطبيعي أن يقودنا المشهد الحالي إلى مزيد من التشرذم ومزيد من الدماء٬ ليس في الفلوجة فقط٬ بل وفي أنحاء العراق الأخرى. العراق في ظل هذه التركيبة لا تنمية مرتجاة ولا سيادة محققة ولا قيادة تاريخية تخرجه من مأزقه. القيادة الحالية تصرف النظر عن المشكلات الكبرى بمعالجة المشكلات الأصغر وبطريقة عشائرية وطائفية٬ أما الاستحقاقات الأخرى فهي أمامها عاجزة عجزها حتى عن تشكيل حكومة! لقد صدق ذلك العراقي البسيط عندما قال: ضاقت الواسعة!

آخر الكلام:
لم يطرح حتى الآن المشروع الوطني النهضوي للعراق٬ وقد يتأخر٬ إلا أنه المخرج الوحيد لانتشال العراق من وهدته٬ الباقي كله زبد!

التعليقات