كتاب 11

01:16 مساءً EET

الحكم في بلدان الثورة؟!

كثيرة هي المؤشرات التي تؤكد تخبط الحكم في البلدان التي عرفت ثورة مثل تونس ومصر، في مشكلات عدة، جعلت من الحكم في أزمة متواصلة، خصوصا أن الإخفاقات الاقتصادية وظاهرة الإرهاب، قد عقدت عملية الحكم وجعلتها غير مستقرة بالنحو الذي يشترطه الحكم الطامح للبناء والتنمية؛ ذلك أنه على ما يبدو لم تكفِ الإطاحة بنظامين شموليين، حتى يستتب الأمن وينعم الشعبان التونسي والمصري بالحرية والأمان.
واللافت للانتباه أنه في تونس مثلاً، أظهرت التجربة أن المشروعية الانتخابية ليست حصانة كافية للنخبة الفائزة في الانتخابات، كي تقبض على أمور الحكم وتتمسك بحق الحكم والقرار. وهي مسألة غير طبيعية بالمرة، وتتنافى مع شروط اللعبة الديمقراطية.
ولقد رأينا كيف أن من يحكم في تونس هو الحلقة الأضعف في البلاد، في حين أن المعارضة التي لم تنجح في صناديق الاقتراع أكثر قوة في القدرة على الإرباك، وتسجيل الحضور بلفت النظر عن مدى جدوى هذا الحضور وفاعليته..
ولعل من مظاهر التردد في ممارسة الحكم ومشكلاته في مرحلة ما بعد الثورة، تلك الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية التونسية السيد الباجي قائد السبسي، والتي دعا فيها إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، فكانت على امتداد الأيام الأخيرة مركز اهتمام الأحزاب ووسائل الإعلام التونسية، وهو اهتمام مشروع وله ما يُبرره.
فكما هو معلوم عرفت تونس في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2014 انتخابات تشريعية وتأسيسية أدت إلى حكم النخبة السياسية الراهنة، وهو ما يزيد في إثارة الاستغراب من الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، باعتبار أنها دعوة تتضمن تنازلاً عن جزء من الحق في ممارسة الحكم. فهي دعوة للمشاركة في الحكم، ولا نعتقد أنه في السياسة تطلق مثل هذه الدعوات جزافًا.
ورغم أن هذه الدعوة لم تأتِ في شكل خطاب سياسي خاص ووردت في مقابلة صحافية مطولة، فإن الجميع التقط الرسالة وتعامل معها طبقًا لموقفه من النخبة الحاكمة، وأيضًا لكيفية قراءته لاقتراح تشكيل حكومة وحدة وطنية: هناك من انتقدها واعتبرها دليلاً دامغًا واعترافًا نوعيًا عن فشل الحكومة الراهنة، في حين أن المشاركين في الحكم والأحزاب الداعمة له رأت فيها حركة إيجابية وانتصارًا للمصلحة الوطنية على حساب الطموحات الحزبية الضيقة. ونشير في هذا السياق تحديدًا إلى أن تونس خاضت في الفترة الأولى لما بعد الثورة تجربة حكومة الوحدة الوطنية ولم تنجح في ذلك، وهو ما يعني أن الرصيد التاريخي لمثل هذه الدعوة يتميز بالسلبية، حيث كان تجسيد الدعوة عبارة عن محاصصة حزبية وإرضاء لأصحاب الأصوات المشاغبة سياسيًا أكثر منه انخراطًا في مشروع وطني؛ إذ من الصعب تحقيق الوحدة الوطنية سياسيًا في معزل عن توحد البرامج والمشاريع الاجتماعية.
وفي الحقيقة بالنسبة إلى دولة خاضت انتخابات تشريعية ورئاسية ليس سهلاً القبول باقتراح حكومة وحدة وطنية، الذي يناسب الدول التي تعيش أزمة وعدم استقرار. لذلك؛ فإن القراءة التي ذهبت إلى أن هذه الدعوة تكشف عن وجود أزمة أو توقع تأزم الوضع في تونس، تبدو منطقية جدًا، خصوصًا إذا ما تم تعزيز هذه القراءة ببعض المعطيات الاقتصادية والمالية غير المطمئنة.
من هذا المنطلق، فإن التخلي عن جزء من الحق في الحكم بالنسبة إلى النخبة الفائزة في الانتخابات ليس تخليًا بريئًا، بقدر ما هو اجتهاد اضطراري لتوريط أغلبية الأطياف السياسية في إيجاد الحل، والأكثر توريطها في تحمل أعباء أي اشتداد للأزمة الاقتصادية المالية.
من جهة ثانية، فإن السيد السبسي، رئيس تونس، اقترح مشاركة الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في هذه الحكومة، وهما أكبر المنظمات التونسية، وفي مشاركتهما تضمن الحكومة – أي حكومة الوحدة الوطنية موضوع الجدل – نوعًا من التحكم في شلال الاحتجاجات والمطلبية الاجتماعية، التي أثرت في عمل الحكومة، وعلى رأس ذلك التداعيات المالية الوخيمة لتوقف نشاط شركة فسفاط قفصة، التي تعتبر الحافظ الأول والأساسي لعدم انهيار العملة التونسية المنهارة – أي الدينار التونسي – منذ مدة طويلة أمام الدولار واليورو. ويبدو أن الاتحاد العام التونسي للشغل التقط الرسالة جيدًا، واختار مساندة الفكرة دون المشاركة؛ مما يعني أنه يرفض إقامة هدنة اجتماعية وفق طموحات النخبة الحاكمة.
بيت القصيد: الحكم بالكامل في بلد أنموذج من بلدان الثورات لم يعد مصدر إغراء. والتشارك فيه حيلة تجمع بين عدم التنازل عن الحكم وتوزيع الأزمة والمشكلات على أكثر ما يمكن من مكونات الحقل السياسي. وهو وضع مريح للمعارضة، التي تجد نفسها مدعوة للمشاركة في الحكم، والحال أن الشعب لم ينتخبها ولم يعطها ثقته.
وأغلب الظن أن الجميع في مأزق، وتلك من أهم معضلات الحكم في جمهوريات عرفت ثورة من أجل التداول على الحكم ديمقراطيًا.

التعليقات