كتاب 11

01:47 مساءً EET

ما بين «#سلفي 2» وحزب النهضة

ما بين حلقة «سلفي» #على مذهبك التي نالت التصفيق والإعجاب على مستوى العالم العربي، وإعلان حزب النهضة في تونس فصل الدعوي عن السياسي، العديد من القواسم المشتركة التي تستحق أن نقف عندها ونتأملها.
نحن أمام إعادة «تموضع» من قبل قيادات الأحزاب الإسلامية في المجتمعات العربية من جهة، وأمام تجرؤ «شعبي»، إن صح التعبير، غير مسبوق، على قيادات تلك الأحزاب من جهة أخرى. إنها مرحلة جديدة ونمط جديد من العلاقة التاريخية التي ربطت بين «رجال الدين» و«شرائح مجتمعية بسيطة»، شكلت فيها تلك الشرائح حصنًا صدَّ عن تلك القيادات الهجمات «النقدية»، فقتلت تلك الشرائح فرج فودة، وطردت نصر حامد أبو زيد، وطعنت نجيب محفوظ، وهاجمت عبد الله الغذامي، وأثخنت فيه الجراح، لأنهم فكروا فقط في الخروج من عباءة التسلط البشري باسم الدين.
اليوم حين ينتقل النقد والانتقاد والاعتراض من النخبة إلى تلك الشرائح البسيطة، فتنصرف عن اختيار ممثلي الأحزاب الدينية في الانتخابات، ويفتح جهاز التلفزيون أبوابه لأصوات تلك الشريحة لكي تعبر عن اعتراضها وسأمها من سيطرة القيادات الحزبية للأحزاب الدينية أو حتى سأمها من المتشددين من كلا المذهبين من رجال دينها، فأنت أمام مرحلة جديدة أدركها الغنوشي، فأعلن فصل الدعوة السياسية عن العمل الحزبي، براغماتية كانت دومًا ديدنه القيادي، وأدركتها قيادات خليجية ففتحت باب الإعلام الرسمي لها.
لذا فإنني أختلف مع د. محمد الرميحي الذي اشتكى من «سذاجة» الطرح الدرامي، فقال في «تويتر»: «على الرغم من إعجاب البعض بحلقة القصبي حول الطائفية، فإن المعالجة الدرامية قريبة إلى المباشرة والسذاجة وبعيدة عن المهنية، كما تكونون يُمثل عليكم».
وعلى الرغم من اتفاقي مع الدكتور في أن الحلقة تعرضت لعامل التربية فحسب في تأجيج هذا الصراع، ولم تلامس العوامل الأخرى، فإن مجرد وصول طاقة الاعتراض والانتقاد على مَن لبس العمامة وأطال اللحى إلى جهاز تلفزيوني رسمي لا يقل – من وجهة نظري – في أهميته عن وصول الكهرباء إلى مناطق نائية تأخرت الدولة في إيصالها لها زمنًا طويلاً.
نحن أمام مرحلة جديدة لا بد من التنبه لها وقياسها، كما تنبه لها الغنوشي زعيم حزب «الإخوان» في تونس مبكرًا.
أدرك الغنوشي أن القواعد الشعبية البسيطة في القرى والأصقاع التونسية بدأت تنصرف عن الحزب، وأن ارتدادات الربيع العربي بدأت تعصف بقلاع الأحزاب الدينية في العالم العربي، ونتيجة لعوامل أخرى كثيرة لستُ بمعرض الغوص فيها، بدأت تلك القواعد الشعبية تعلن تمردها على تلك الأحزاب والخروج عن طاعتها.
تلك القواعد التي كانت تثور حميتها حين يطال النقد أيًا من البشر المصنفين علماء أو دعاة هي من ينتقد وهي من يعلو صوتها برفض الوصاية وتبلغ عن «المتطرفين»، وتستنجد بالدولة لحمايتها من تسلط «المتشددين» الذين استفادوا كثيرًا من هذا الحصن ليبنوا دولتهم داخل الدولة، وهي التي أسقطت أحزاب «الإخوان» في صناديق الاقتراع على الرئاسة، وفي المقاعد الانتخابية في تونس والأردن والبحرين والكويت ومصر بالتأكيد التي ثار 30 مليون مصري عليها.
هذا التحول جدير بالمراقبة والتوظيف من الدولة، فقد أدركته حركة الإخوان في وقت متقدم في المغرب فانشق «حزب العدالة والتنمية» («الإخوان» المعتدل) عن «حزب الإحسان» («الإخوان» المتشدد) وأعلن أنه ليس ملزمًا بالقيادة المركزية في مصر، وليس في صراع مع الشرعية الملكية، وليس في وارد الصراع مع الدولة المدنية، وأنه معني بتنمية الإنسان المغربي.. حدث ذلك قبل 2010، أي قبل صفعة البوعزيزي التي أتت بالأحزاب الإسلامية الإخوانية للشمال الأفريقي على سدة الحكم، وحاولت أن تأتي بجماعة الولي الفقيه في شرق الجزيرة العربية. إنها براغماتية إيجابية وذكاء متقدم، حيث شعرت الحركات الإسلامية المغاربية بحركة الرمال وعدم استقرارها تحت أقدامها فأعادت تموضعها، كما فعل الغنوشي.
اليوم تغشى هذه الموجة دول الخليج العربي، موجة رفض الوصاية وإعلان الرأي الحر من القواعد الشعبية لا من النخب فحسب. إن الململة والحراك والتمرد وصلت إلى ما كان حصنًا وقلعة تصون كل صاحب عمامة أو ذي لحية باعتباره مقدسًا لا يُمسّ بنقد ولا باعتراض، بل حتى باستفسار، تلك القواعد هي من يعلن اليوم سأمه من الوصاية، لذا ذابت أصوات من اعترض على نقد من لبس العمامة أو أطال اللحية في حلقة «سلفي» أمام موجة من أيّد وصفق وانتصر لهذا النقد عند تلك القواعد الشعبية.
وما قامت به قناة «إم بي سي» في حلقة «#سلفي» أنها أعلنت أنها على استعداد لفتح باب النقد والاعتراض ضمن حدود القانون والأدب للقواعد الشعبية؛ بأن تبدي رأيها واعتراضها على وصاية وتحكم بعض العلماء والدعاة ورجال الدين، لذا كانت الحلقة تخاطب هذه الشريحة، وتوصل تيار الكهرباء لها، في أول مصباح يدخل دارًا حرَّم البعض إنارتها لزمن طويل!!

التعليقات