كتاب 11

02:39 مساءً EET

الإرهاب.. نجاح مصر وتراجع تركيا

تفجيرات مطار أتاتورك في إسطنبول كانت إرهابية بشعة ومتوحشة بكل المقاييس، مثلها مثل كل عمليات الإرهاب الغادرة التي تستهدف المدنيين والأماكن العامة وتنشر التخريب والدمار.
وتركيا شهدت على مدار عامٍ كاملٍ عملياتٍ إرهابية متعددة نشرت الخراب والدمار حيثما حلّت، وهي عمليات مدانة دون شكٍ ولا ريبٍ، فالإرهاب كيفما تشكل، وأينما حل مدانٌ بكل شرائع السماء وقوانين الأرض، ولكن ما الذي يشير إليه ذلك؟
ثمة نماذج متعددة لمحاربة الإرهاب في العالم وفي المنطقة، نجح بعضها ولم ينجح البعض الآخر، فهناك النموذج السعودي الناجح في مواجهة «القاعدة»، وهناك النموذج المصري الناجح في مواجهة «داعش» وجماعة الإخوان المسلمين، وأمثالهما من النماذج، وهناك نماذج لم تنجح في مواجهة الإرهاب مثل النموذج العراقي والنموذج السوري وغيرهما.
ولكن هل يعني النجاح في محاربة الإرهاب القضاء المبرم عليه؟ بالتأكيد لا، فذلك رهنٌ بمعطيات متعددة وآليات مواجهة كثيرة، تحتاج لجهودٍ دولية وإقليمية ومحلية كبرى، ينبغي أن تدار بتوافقٍ كبيرٍ وبتخطيطٍ محكمٍ وبرؤى متكاملة على أن تأخذ الوقت الكافي لبناء التصور وشمول الرؤى وطول مدة التنفيذ.
بعد تجربة طويلة وممتدة من المواجهة مع الإرهاب، اختارت مصر الذهاب لجذور الإرهاب والقضاء عليه من منابعه الأصيلة فصنفت جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية وشاركتها في ذلك بعض الدول العربية، وقررت مواجهة المصدر الأساسي لا محاربة الأشباح فحسب، ونجحت، فمصر اليوم مستقرة بعدما ألجأت تنظيمات الإرهاب إلى اللجوء لسيناء حيث المناطق الصحراوية النائية بعيدًا عن المدن الرئيسية والحواضر الكبرى.
ولكن الأمر في تركيا مختلفٌ، فتركيا مع الوعي بالفوارق بين نموذج الإسلام السياسي الذي تقدمه وبين نماذج الإسلام السياسي في البلدان العربية، التي سبق لها الظهور قبل سنواتٍ إبان حكم الإخوان المسلمين في مصر وتونس، والتي تكررت هذا العام في اتهاماتٍ متبادلة بين الطرفين، إلا أنها لم تزل تحافظ على علاقاتٍ قوية مع هذه الجماعات، رغبة في مزيد حضورٍ وتأثيرٍ يداعب أحلام الماضي لنوعٍ من النفوذ في الدول العربية.
في تركيا ثمة تراجعٌ في بسط السيطرة الأمنية وحماية الناس من شرور الإرهاب سيبحثها الأتراك دون شكٍ، وسيجدون حلاً خاصًا بهم، ولكنهم في الطريق إلى ذلك يحتاجون أن يراجعوا الأسباب ويقرأوا النتائج.
من هنا فإن الدور الذي لعبته تركيا في دعم الجماعات الراديكالية ومعاداة الدول العربية يحتاج اليوم لمراجعة عميقة لدى صانع السياسة التركي، في ظل الثمار التي أنتجها تحويل تركيا لمركز ثقلٍ لحركات الإسلام السياسي وبخاصة العربية منها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عليهم أن يعيدوا النظر في مقاربة ملف الإرهاب وحركة داعش وجبهة النصرة في سوريا، لا باعتبارها شأنًا خارجيًا يتم التعامل معه سياسيا فحسب، بل باعتبارها شأنًا داخليًا أيضًا، ويجب أن تتمّ مواجهته أمنيًا وثقافيًا وعسكريًا واقتصاديا.
المهمة سهلة في مصر وصعبة في تركيا، لأن مصر اختارت القطيعة مع الإرهاب بكليته بينما لم تزل حسابات تركيا تتأرجح، وعندما اختارت مصر أراحت شعبها وبسطت الأمن والاستقرار، ولم تزل تركيا تعاني وتتراجع قدرتها في بسط الأمن والاستقرار، والأمن والاستقرار غاية لأي دولة تسعى للبقاء وللنجاح فضلاً عن القوة والتأثير.
لقد أصبح الإرهاب ظاهرة كبرى حول العالم، وكلما اشتدت عليها القبضة الأمنية طوّرت آليات وطرائق للتخريب والتدمير لم تخطر بقلب بشرٍ من قبل، لقد كان تصعيد البشاعة والتوحش على أشده في السنوات الأخيرة، من قطع الرقاب لكل مختلفٍ إلى حرق الأسرى وإغراقهم، ومن استهداف دور العبادة من مساجد وحسينيات إلى تدمير التراث الإنساني والبشري، ومن سبي الأبرياء المسالمين رجالاً ونساءً وأطفالاً إلى قتل الأقارب الذي وصل أبشع صوره في قتل داعشيين مجرمين لوالدتهما ما شكل صدمة للضمير الإنساني عامة ولكافة المسلمين خاصة.
إن الإرهاب بوصفه ظاهرة يداعب الخيالات السوداء لبعض المعتوهين المتعطشين للدماء لأسبابٍ متعددة بكل فئة منهم، ولكنها تيسر لهم السبيل ليعبروا عن مدى العته والدموية التي تتحكم فيهم، هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضًا هو أن تنظيمًا كتنظيم داعش يجد عجينة رخوة ومستعدة ومتحفزة للانخراط في الإرهاب، وهي العجينة التي صاغتها جماعات الإسلام السياسي من جماعة إخوان إلى سروريين إلى قطبيين إلى غيرها من عشرات التسميات التي تختلف من بلدٍ إلى آخر.
لن تستطيع دولة أن تقضي على الإرهاب حتى تقضي على الجماعات التي تصنع البيئة المناسبة له لينتشر ويؤثر وينجح في إجرامه، فمحاربة المنتجات المتزايدة لن تجدي ما لم يتم القضاء على المصنع، وإلا فإنها ستكون مثل معارك «دون كيشوت» الذي ظل يحارب طواحين الهواء دون طائل.
ليست تركيا وحيدة في مقاربتها لتناول موضوع الإرهاب، بل شاركتها بعض الدول رؤى مشابهة مع اعتبار الاختلافات في الدوافع والغايات بالطبع، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر رؤية الإدارة الأميركية الحالية التي كانت ترى أن تمكين ودعم جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي هو البلسم الذي سيقضي على داء الإرهاب، ولكن الذي ينبغي أن يعيه صانع القرار التركي هو أن هذه الرؤية فشلت فشلاً ذريعًا، ليس هذا فحسب بل إنها أدّت إلى النقيض تمامًا بحيث تفشت وتناسلت وتنوعت جماعات الإرهاب في العالم العربي بشكل غير مسبوقٍ تاريخيًا، والعاقل من وعظ بغيره.
تعيد تركيا اليوم النظر في سياساتها، وتحاول بناء توجهات جديدة، فقد قدم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اعتذارًا مباشرًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إسقاط طائرة مقاتلة روسية قبل بضعة أشهرٍ، وهو يعيد علاقاته بإسرائيل بعيدًا عن أي شعاراتٍ أو مزايداتٍ، وفي الموقف من حركة حماس يبدو أنه يتلمس طريقًا جديدًا في مقاربة سياسية لموضوع التعامل مع جماعات الإسلام السياسي.
هل تنجح تركيا في بناء طريقٍ جديدٍ للتفريق بين سياسات الدولة وآيديولوجيا الحزب؟ وهل تنجح في بناء تصورٍ متماسكٍ يعيد ترتيب الأولويات بين التعامل مع الدول المستقرة والجماعات الراديكالية؟ وأن الدول هي مأرز السياسي وليست الجماعات أو التنظيمات؟
أخيرًا، فما جرى في تركيا من إرهاب هو إرهاب مجرّمٌ ومدانٌ، مثله مثل الإرهاب في أي دولة في العالم.

التعليقات