كتاب 11

02:55 مساءً EET

قراءة بعين جديدة؟!

تعتبر قبيلة قريش من أهم القبائل العربيّة، وهي ذات دور قبل مجيء الإسلام وبعده. لذلك؛ فإن فهم التاريخ الإسلامي على امتداد مساره من البداية إلى اليوم لا يمكن أن يتحقق – في جزء منه – في معزل عن الإحاطة المعرفية بكافة تفاصيل قبيلة قريش وخصائصها.
ولمّا كان النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، يعود نسبه إلى هذه القبيلة، فإن قريش اكتسبت أهمية رمزية مخصوصة جدا في التاريخ. فكانت – أي قبيلة قريش – موضوع فضول معرفي دائم لدى المؤرخين العرب والمستشرقين، حيث ما فتئت تتزايد رغبة فهم العوامل، التي جعلت قريش بالذات ومكة، وليس فضاءً جغرافيًا آخر منبتا للإسلام.
غير أن الملاحظ أن التمثلات المعرفية لقبيلة قريش قبل الإسلام تطغى عليها الأفكار النمطية ذات المضامين السلبية بالأساس، وهو ما يعني أن الحقيقة التاريخية لهذه القبيلة قد أثرت في عدم تبلورها على نحو موضوعي أكثر ما يمكن، معطيات عدة جعلت من قريش رغم تعدّد الأعمال الحفريّة التاريخية حولها تخضع إلى قراءة واحدة رغم التعدّد الكمي للقراءات.
المؤرخة التونسية سلوى بلحاج صالح وقعت في أسر الانشداد إلى قريش، وقامت من خلال كتاب لها جديد عنوانه «قريش: وقائع وأحداث قبل الإسلام» بمحاولة تقديم صورة مختلفة عن هذه القبيلة وإنصافها تاريخيا، وذلك بدراسة الأوجه المضيئة لتاريخ قريش. وهنا تكمن فرادة عمل هذه الباحثة التي لم تتورط في إعادة إنتاج القراءة التاريخية نفسها. بل إنها، وخلافا لتلك القراءة النمطيّة التي تسجن قبيلة قريش في بوتقة ضيقة من التقويمات، اختارت صاحبة الكتاب مجهر المقاربة التفهمية للوقائع والأحداث، خصوصا أن الحسم في أي قراءة دون سواها يبدو في مجال دراسة تاريخ ما قبل الإسلام صعب الضمان، وذلك من منطلق أن كل ما كتب عن تلك الفترة، كان بعد فترة زمنية لافتة، ناهيك عن قلة تعدد المصادر، باعتبار أنه- مثلا- معظم ما كتب عن قبيلة قريش، قام به تحديدا وبشكل أكثر استفاضة ابن الكلبي وابن حبيب البغدادي.
بمعنى آخر، فإن المؤرخة اكتسبت جرأة المخالفة وإعادة تركيب صورة أخرى مغايرة لقبيلة قريش؛ استنادا إلى ما تبيحه الوثائق التاريخية حول هذا الموضوع من فسحة كبيرة في التأويل والقراءة التفكيكية، التي تعيد بناء المعنى والفكرة والاستنتاج.
لذلك؛ فإن الباحثة قد التقطت لقريش صورة جديدة استوحتها من الأخبار والوقائع ذاتها التي استند إليها المؤرخون، ولكن لم تقف عند تفسيرها فقط بصفتها أخبارا وأحداثا تاريخية، بل أخضعتها لعلم اجتماع التاريخ، وتعاطت معها بوصفها نتاجا لعلاقات واقعية واقتصادية واجتماعية وثقافية.
إن مقاربة قريش أنثروبولوجيًا بهدف تحديد خصائص الشخصية القرشية العربية من شأنه أن يثري فقر معرفتنا بالذات العربية وأرضيتها التاريخية، ويساعدنا في فهم الإنسان العربي اليوم ووضع مجموعة من الصور التاريخية له لينظر إليه في مسار الثابت والمتغير في ملامحه.
ولعل تعمق الباحثة في مسائل تتعلق بسيادة قريش ووجاهتها ومثالبها، وما إلى ذلك قد غيرت من مضمون الحديث عن قريش. ذلك أن الإنسان القرشي لم تهتم به الدراسات التاريخية في بعده الأنثروبولوجي، فطغت القبيلة على أفرادها. لذلك؛ فإن التمشي الجامع بين المقاربة المؤسساتية والفردانية قد أنتج استنتاجات مهمة، لم يسبق طرحها بوضوح وتبنيها صراحة من قبل مؤرخين آخرين، أهمل معظمهم قريش الثقافة وقريش الإنسان.
ونعتقد أن أهم استنتاج توصلت إليه الباحثة، الذي جعلها مفتونة موضوعيا بقريش هو صفة التسامح التي كانت تطبع المجتمع القرشي إزاء ظواهر اجتماعية معينة. وكما نرى، فنحن أمام استنتاج لا يقفل على نفسه أبواب التاريخ بقدر ما يقودنا إلى فهم ظواهر الانغلاق والتعصب والعنف المنتشرة اليوم، والتساؤل عن أسباب تضاؤل منسوب التسامح في شخصية الذات العربية.
واللافت أن الحديث عن خاصية التسامح كونه صفة غالبة على الشخصية القاعدية للمجتمع القرشي، التي تختزل ما سمته الباحثة الأوجه المضيئة لتاريخ قريش لم يكن حديثا فضفاضا، أو اعتمد أدلة هامشية ثانوية. بل إن المؤرخة سلوى بلحاج صالح نفضت غبار التاريخ عن شخصيات أساسية وفاعلة في تاريخ القبيلة، فكانت تنبش في أخبار وحياة شخصيات الوجاهة في المجتمع القرشي ونسائه؛ وهو ما أضفى على التحليل حركية خاصة ودرامية جذابة. ونشير إلى أن هذا المنحى الذي يثري الكتابة التاريخية ويجعلها لذيذة على نحو خاص قد سبق أن اشتغلت ضمنه الباحثة في كتابها السابق الذي سمته: «دثريني يا خديجة» الذي تناولت فيه بالدرس والتحليل شخصية السيّدة خديجة بنت خويلد.
إن قراءة التاريخ بعين جديدة من غنائم المعرفة اللامحدودة. وكم نحن اليوم أكثر من أي زمن آخر نحتاج إلى الجرأة والبحث العاشق للحقيقة التاريخية.

التعليقات