كتاب 11

09:52 مساءً EET

تفجير جدة بين النجاح والفشل

نجحت قوات الأمن في السعودية في إحتواء التفجير الإرهابي الذي حدث في باحة مسجد في شارع فلسطين قرب مستشفى خاص في جدة. ونجح الشعب السعودي في رفض الإرهاب والتماسك ضد محاولات أعداء الدين والوطن. كما نجح الإعلام الجديد من وسائل للتواصل الإجتماعي على رأسها “تويتر”، والصحف الألكترونية الخاصة، وفي مقدمتها صحيفة “أنحاء” في سرعة التواصل مع المجتمع السعودي في نقل بعض الصور المتداولة عن هذا الحادث الإرهابي.

من جانب أخر، فشل الإرهابي في الوصول الى هدفه، وفشل من خلفه جماعات الظلام والكراهية والموت في تحقيق غايتهم. وفي ذات الوقت، فشل الإعلام الرسمي السعودي بكل فئاته وفروعه، فشلاً ذريعاً في أن يكون على قدر المسئولية والمهنية بتقديم خبراً ولو مقتضباً لتأكيد الحادث أو نفيه، ومنع البلبلة والإعتماد على الشائعات التي تتضخم في ظل غياب معلومات رسمية مؤكدة.

 
بعثت بتغريدة لمعالي وزير الإعلام السعودي مفادها: “إلى معالي وزير الإعلام: في مواكبة الأحداث والمهنية وإحترام الإنسان … الإعلام الرسمي بكل فئاته … فاشل”. فق قد تجولت في معظم القنوات، وحسابات تويتر الرسمية، لكي أجد خبراً ولو مقتضباً لتأكيد هذا الحادث الإرهابي في أكثر شوارع مدينة جدة إزدحاماً في ساعة تجمع للعامة في أحد ليالي العشر الأخيرة من رمضان وقبيل قدوم العيد، الذي يصحبه عادة، نزول الأسواق. تساءلت حينها، لماذا يضطرنا الإعلام الرسمي للبحث عن الحقيقة من خلال المصادر الغير رسمية أو سعودية، ودفع الجماهير للتعامل مع الإشاعات والمعلومات من مصادر غير رسمية؟ ألا تفكر وزارة الثقافة والإعلام بأن التباطؤ في مواكبة الأحداث المفجعة كالأعمال الإرهابية له إنعكاسات سلبية على الدولة والحكومة من أهمها: نقص الثقة والمصداقية.

 
لم تعد التفجيرات الإرهابية أو استهداف دور العبادة بالأمر المستغرب في الحاضر المعاصر دولياً أو إقليمياً أو محلياً، بالرغم من أنه أمر مستهجن في الدين والعرف والثقافة الإنسانية. فلم يكن مطلوباً من الإعلام الرسمي السعودي، سوى خبراً مقتضباً “بأن تفجيراً حدث في الزمان كذا، في المكان كذا، وبعض المعلومات البسيطة حول السيطرة على الحادث، مع عبارة سنوافيكم لاحقاً بالمستجدات”. لم يكن مطلوباً الدخول في تفاصيل أمنية قبل التحقيق، لكن هذا الخبر المقتضب من الإعلام الرسمي سوف يزيد من حجم التواصل والإرتباط بالمصادر الرسمية؛ وتأكيد عامل الثقة؛ ويرفع من حجم المصداقية، ويؤكد عامل الإنسانية لدى المسئولين عن الإعلام الرسمي.

 
تواترت التغريدات والهاشتاقات، أيضاً، أن التفجير يستهدف القنصلية الأمريكية القريبة من مكان الحادث. هنا تتوسع الإحتمالات والتحليلات. فهل التفجير يستهدف التجمعات، أم يستهدف دور العبادة، أم يستهدف المؤسسات الأمريكية؟ ولكل إجابة تحليلها الخاص وما يتطلب من توعية وإحتياطات أمنية، لكي يكون المواطن والمقيم على الأرض السعودية في صورة متناغمة مع الجهات الأمنية. المصادفة العجيبة، أنه مع توقيت التفجير، كانت القناة الأمريكية CNN تبث برنامج عميقاً للإعلامي الشهير “فريد زكرياً بعنوان: ” لماذا يكرهوننا”، أو “لماذا يكرهون الولايات المتحدة” WHY THEY HATE US، هذا السؤال الذي إنطلق في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، ولم يصمت حتى الآن.
جادلنا، ولازلنا، بأن العنف السياسي (الإرهاب) هو عملية معقدة قد يتفق الكثير من المراقبون على أنها نتاج خلل في سياسة الدول، بصرف النظر عن الوسيلة التي تستخدم في العنف. كما أكدنا مراراً، أنه لا يوجد دولة في العالم تحارب “الإرهاب”، بل محاربة ومطاردة “الإرهابيين”. ولذا كل ما نسمعه من تصريحات و”بروباغندا” سياسية حول محاربة الإرهاب هو عبث في فكر الشعوب. وعودة لحادثة جدة، نقول: أن الإعلام الرسمي السعودي يحتاج الى استراتيجية إعلامية للأزمات، للتعامل مع الأحداث الإرهابية، لكي لا يفقد صلته بالمتلقي وتتناقص الثقة والمصداقية، لأن إنعكاسات ذلك سلبية جداً على الوطن. وكلنا ثقة بأن لجنة من الجهات الأمنية ممثلة في وزارة الداخلية، ومن الجهات السياسية ممثلة في وزارة الخارجية، ومن الجهات الإعلامية ممثلة في وزارة الثقافة والإعلام، سيكون بمقدورها أن تضع تلك الإستراتيجية إحتراماً للمصداقية والمهنية والمسئولية الأخلاقية والإنسانية.

 
أخيراً، السعودية قوية بالله سبحانه وتعالى، ثم بشعبها وقيادتها وثقتها بصلابة رجال الأمن. وستتحطم على جدار القوة السعودي كل محاولات العابثين بالدِين والأمن والإنسان. فلقد إختار العابثون الأغبياء الوسيلة الخطأ، والهدف الخطأ، والزمان الخطأ، والمكان الخطأ. ختاماً، تحية إكبار وإعجاب برجل الأمن السعودي، وبالمواطن السعودي وتلاحمه وغيرته على الأمن والسلامة. حفظ الله الوطن.

 
كاتب، ومحلل إستراتيجي

[email protected]

 

التعليقات