كتاب 11

02:10 مساءً EET

رمسيس الثاني يرى الشمس

تتعامد أشعة الشمس وتدخل إلى عمق قدس الأقداس بمعبد رمسيس الثاني في أبو سنبل، وذلك في حدثين متكررين كل عام، وتحديدًا في يومي 22 فبراير (شباط) و22 أكتوبر (تشرين الأول). ويوجد داخل قدس الأقداس أربعة تماثيل جالسة، وهي لآمون رع، ورع حور آختي، ورمسيس الثاني، وبتاح. ويقال إن الشمس تشرق على وجه رمسيس الثاني في يومي ميلاده وتتويجه؛ وليس لدينا دليل أثري واحد يؤكد أو ينفي هذا الأمر.
ويتفق العلماء والباحثون على أن دخول الشمس لقدس أقداس معبد أبو سمبل معجزة هندسية ومعمارية وفلكية تحسب للمصريين القدماء الذين وصلوا إلى قمة علوم الفلك والعمارة دون أن ينازعهم هذه المكانة أحد من العالم القديم. ولسبب ما – ما زلنا عاجزين عن فهمه – ارتبطت علوم الفلك عند قدماء المصريين بعلوم الهندسة المعمارية، وذلك منذ فجر التاريخ المصري القديم؛ بدليل أن المهندس المعماري العبقري إيمحوتب، الذي بنى الهرم المدرج لزوسر في سقارة، وجدت ألقابه كاملة أو أهمها على قاعدة تمثال لزوسر، وكان لقب المهندس المعماري الملكي متبوعًا بلقب «ور مأوو» بمعنى «كبير الرائين» أي «كبير الفلكيين».
كان تحديد الاتجاهات الأصلية لأي مبنى معماري يتم عن طريق رصد النجوم؛ بل كانت المعابد المصرية تحتوي في أسقفها على مراصد للنجوم والكواكب؛ وكانت فئة من كهنة المعبد يمارسون أعمال رصد النجوم والكواكب وعمل حسابات دقيقة للأعياد والمناسبات الدينية. ويشير حجر معبد دندرة الشهير باسم «زودياك دندرة» والمعروض حاليًا بمتحف اللوفر، إلى مدى تقدم علوم الفلك عند الفراعنة. وتعد «أون» – العاصمة الدينية الأولى ومكانها حاليًا منطقة عين شمس – أقدم جامعة لتدريس علوم الفلك والفلسفة في مصر القديمة؛ ذكر فضلها علماء اليونان وفلاسفتها.
نعود إلى رمسيس الثاني الذي يعتبر من القلائل الذين خلعوا على أنفسهم مكانة خاصة في حياتهم؛ وهو من أكثر الفراعنة جلوسًا على العرش؛ وأكثرهم؛ ليس فقط في عدد سنين الحكم، ولكن أيضًا الأحداث الجسام التي مرت بها مصر؛ وكانت أكثر الأحداث تأثيرا هي حرب رمسيس الثاني مع ملك الحيثيين، التي كاد يفقد فيها رمسيس حياته بسبب اندساس الجواسيس في جيشه ومده بأخبار مضللة كادت تلقي به إلى التهلكة لولا أن أنقذته الفرقة الحربية المعروفة باسم «فرقة الشباب»، (الكوماندوز)، والتي قلبت الهزيمة إلى نصر أعقبته معاهدة سلام. وقد خلد رمسيس الثاني ذكرى الحرب والسلام تقريبًا على جدران كل معابده. ولأن رمسيس كان يرى أنه يحكم مصر بـ«الماعت»، (الحق والعدل والنظام)، وأمن حدود بلاده، فإنه كان يستحق أن يوضع في مرتبة خاصة تعلوا الفراعنة الذين سبقوه؛ ولذلك نراه في معبد أبو سمبل يقدم القرابين لنفسه، وتتعامد الشمس على وجهه مثلما تتعامد على وجه آمون رع وبتاح ورع حور آختي، وهو اعتراف ضمني منهم بأن رمسيس الثاني يعد في منزلة آلهة مصر القديمة.

التعليقات