كتاب 11

02:42 مساءً EET

الاقتصاد بخير.. لندن في انتظاركم

يتعرض العالم اليوم لخداع وهم تمارسه جمعية المنتفعين من بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. بضعة آلاف في مهن انبثقت مع العولمة وحركة المال تحقق أرباحا بأرقام فلكية من وسائل غير إنتاجية (تعبير مهذب لطفيليين لا يساهمون في الإنتاج، بل تحقق أقصى أرباح من عرق الآخرين). يديرون استثمارات أعضاء نادٍ مغلق تقتصر عضويته على حفنة من مليارديرات يثرون على حساب أربعة مليارات من بقية الجنس البشري محتجزين خارج السياج الشائك لجمعية المنتفعين. الاتحاد الأوروبي يضمن تخفيض الأجور بزيادة عرض الأيادي العاملة على الطلب، ويتيح لمتعددة الجنسية توزيع فروعها لاستغلال ثغرات لوائح الضرائب بين بلدان أوروبا. أي أرباح على حساب الفقراء.
جمعية المنتفعين تدخل الوهم في العقول كتخويف الكبار الأطفال بحكايات «أمنا الغولة»، و«العفاريت»، و«أبو رجل مسلوخة»، وتضخمها مخيلاتهم البريئة فيبقون في أماكنهم لا يتحركون بغريزة اكتشاف البيئة حولهم، وينصرف الأبوان إلى شأنهما محافظين على الـstatus quo، أو التوازن الراهن وفق مصالح أولياء الأمور.
عشرة أيام عمل فقط في البورصات وأسواق المال مضت على تصويت غالبية البريطانيين باستعادة قرارهم الديمقراطي بالخروج سياسيا من الاتحاد الأوروبي.
(البورصات لم تعمل ستة أيام، عطلَتي نهاية الأسبوع وعطل «وول ستريت» يوم الاستقلال الأميركي).
هل يعقل أن تنخفض قيمة الإسترليني وأسهم البورصة قبل بدء التداول بساعتين فور إعلان النتيجة 24 يونيو (حزيران)؟
كيف؟
وفق المقاييس التي وضعها اقتصاديون كديفيد ريكاردو، وجون ستيوارت ميل، وآدم سميث، وجون كينيز على سبيل المثال لا الحصر، ما هي الدورة الاقتصادية؟ ومدتها؟
كان هناك 11 دورة اقتصاد وأعمال economic business cycles ما بين 1945، 2009 من قمة نمو، أو قاع انكماش الاقتصاد حتى العودة إليها. مدة الدورة دون ست سنوات. والدورة المالية الواحدة أقل من عام (11.1 شهر)، وحتى الآن لا يوجد نظام أو برنامج كومبيوتر يمكنه التنبؤ بعام كامل، أي سدس (6-1) الدورة الاقتصادية.
الإسترليني أقوى عملة عالمية لست سنوات متتالية في عاصمة خامس أقوى اقتصاد، حيث أقدم وأشهر وأقوى بورصة في مدينة اخترعت المال والتجارة قبل ثلاثة قرون (أقامت خلالها إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس بالتجارة فقط) يمر خلالها يوميا ثلثا تحويلات العملة عالميا (حتى بين دولتين جارتين في آسيا أو أفريقيا).
هل ما تعرض له الإسترليني من تقلبات ساعات فقط عقب تصويت سياسي هو «حركة طبيعية لأسواق المال؟» أم شيء مريب يدور في سراديب حصن «جمعية المنتفعين»؟
مقياس البورصة والعملة يكون على مدى عام في قول اللورد ديجبي جونز، رئيس اتحاد الصناعات البريطانية (2000 – 2006 أثناء أسرع فترة نمو في التسعينات) واللورد ميرفين كينغ، المحافظ السابق لبنك إنجلترا (1991 – 1997 في عهده أصبح الإسترليني إمبراطور العملات).
الكساد وإفلاس البنوك قبل ثماني سنوات لم تؤثر في الإسترليني أو بورصات العالم (التي لا تربطها علاقة مباشرة تتأثر بريطانيا والاتحاد الأوروبي) بهذا القدر إلا بعد عامين كاملين من نفاد احتياطي نقد البنوك الأميركية؛ أيصدق عاقل أنها حالة طبيعية تعكس نتائج التصويت «بخروج بريطانيا سياسيا من الاتحاد الأوروبي»؟ كلمة «نتائج». أي نتائج؟
منذ التصويت سافرت إلى بروكسل، وبرلين، وباريس، وقضيت بضعة أيام في ليثوانيا للاستجمام. لا تغيير في حركة أو إجراءات المسافرين أو البضائع في المطارات أو نوعية المنتجات من بريطانيا، أو بقية بلدان الاتحاد الأوروبي في أسواق ومحلات لندن أو البلدان التي زرتها. باختصار المملكة المتحدة لا تزال عضوا في الاتحاد.
إجراءات انفصال بريطانيا سياسيا عن الاتحاد الأوروبي لن تبدأ إلا بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة (ولا يمكن قانونا لأي طرف غير بريطانيا نفسها أن يفعلها).
بدهاء السياسة البريطانية التقليدية لن يبدأ دبلوماسيو البلاد تفعيل المادة، إلا عندما تكون فرق التفاوض السياسي والاقتصادي جاهزة والبلاد مستعدة حسب جدولها الخاص لا حسب مزاج مفوضية جون – كلود يونكر التي لم ينتخبها أحد، وإن لم يعجب المفوضية فلتشرب من أحد سبعة بحار تحيط بالاتحاد الأوروبي.
الأمر يحتاج إلى سنوات من الدورات المالية ودورة اقتصادية كاملة كي يظهر تأثير هذه «النتائج» في الاقتصاد بشكل يمكن قياسه كما ونوعا، لا بضعة أسابيع أو أيام.
الحكاية يا سادة، أن «شلة» تجار العملة (من نادي الأثرياء وسماسرتهم من جمعية المنتفعين) الذين كانوا وراء أزمة 2008 المالية هم أنفسهم وراء اضطراب السوق.
مطبوعات تمتلكها استثماراتهم، ولا يقرأها غيرهم والمحيط الأوسع لجمعية المنتفعين كـ«فاينانشيال تايمز»، و«إيكونوميست»، و«بلومبيرغ» على سبيل المثال، هي ما تنشر التحليلات ومؤشرات العملة والأسواق اليومية.
مطبوعاتهم ومؤسساتهم نشرت استطلاعات الرأي الاثنين 20 يونيو بتفوق الخروجيين. أحدهم (أصبح مليارديرا من المضاربة في العملة عند أزمة التبادل المصرفي الأوروبي الموحد وخروج بريطانيا منه عام 1989)، نعق في «بي بي سي» يومها بانهيار الإسترليني بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، ونقلت وكالات الأنباء نعيقه فانخفض الجنيه في ساعات بأكثر من 11 في المائة، واشترت مؤسسته وجمعية المنتفعين بضعة مليارات من الجنيه فورا.
المؤسسات نفسها نشرت استطلاع رأي بتفوق معسكر البقائيين الأربعاء عشية الاستفتاء فارتفع سعر الإسترليني 8 – 10 في المائة فورا. باعت مؤسساتهم ما اشترته قبل يومين، وبلغت أرباح غراب «بي بي سي» وتجار جمعية المنتفعين 20 في المائة. تصور مليون جنيه تجارة عملة الاثنين حققت أرباحا قدرها 200 ألف جنيه مساء الأربعاء؛ ولأن مديري البنوك أعضاء الجمعية نفسها، فبمكالمة تليفونية، يقترض المضارب 10 ملايين بفائدة 20 في المائة – أي 40 ألف جنيه في أسبوع، تخصم من أرباحه فيبلغ صافيها مليونا و680 ألف جنيه في 48 ساعة تدخل جيبه بلا عناء أو مخاطرة – مستغفلين ملايين البشر، يعرقون في سبيل لقمة العيش!
ومغفل من يصدق تقارير جمعية المنتفعين أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو أزمة اقتصادية. إنها أزمة سياسية للاتحاد الأوروبي وليس لبريطانيا العظمى يا سادة.
رغم تهديداتها عشية التصويت، فالبنوك لم تترك لندن إلى ميلانو أو فرانكفورت؛ لإدراكها أن العرب واليابانيين والصينيين والروس يتعاملون مصرفيا بالإنجليزية لا بالإيطالية أو الألمانية.
انخفاض سعر الجنيه فرصة ممتازة للأصدقاء العرب. قضاء عطلة الصيف في عاصمتكم لندن أرخص 20 في المائة من تكلفة العام الماضي.
وزير المالية جورج أوزبورن على وشك إصدار قرار بتخفيض ضرائب أرباح الاستثمارات إلى أقل من 16 في المائة، استثمار مليون جنيه في بريطانيا يزيد أرباحك 80 ألف جنيه عن استثمارها في ألمانيا.
استثمارك في العقار اللندني بجنيه منخفض يعطيك قيمة إضافية 20 في المائة عن العام الماضي.
باختصار المتجر والمصرف والسوق البريطاني مفتوح للاستثمارات ويرحب بأصدقائه العرب، وينتظر استقبالهم بالأحضان في لندن، لندن في انتظاركم.

التعليقات