كتاب 11

03:12 مساءً EET

«داعش».. «قرامطة» إيران

الجريمة «الداعشية» النكراء باستهداف الحرم المدني نهاية شهر رمضان، هزّت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، إنها انتهاكٌ لكل تعاليم الإسلام بكل قراءاته وتأويلاته، وفرقه ومذاهبه، إنها خدشٌ للإنسانية وضميرها الأخلاقي الحي.
إن استهداف أي إنسان بالقتل هو جريمةٌ بحدّ ذاتها، وليس أبشع منها إلا جريمة القتل بالغدر، وهي الطريقة الشنيعة التي تتبعها الجماعات الراديكالية الحديثة في تاريخ المسلمين من جماعات الإسلام السياسي وتنظيمات الإرهاب، بدءًا بحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وانتهاء بالبغدادي الذي يسمي نفسه خليفةً على تنظيم داعش الإرهابي.
القتل غدرًا هو ما يميز تنظيمات الإرهاب الديني الحديثة عن مثيلاتها في التراث الإسلامي، ففرقةٌ مثل فرقة الخوارج كانت تخرج في مناطق نائيةٍ عن السلطة المركزية في تاريخ الإسلام، ولكنها كانت تقاتل على طريقة الجيوش، وتقابل السرايا التي ترسل إليها بجيشٍ مقاتل، وأقرب ما يكون في التراث الإسلامي لعمل الجماعات الراديكالية والإرهاب هو ما صنعته فرقة «الحشاشين» في استخدامها الغدر منهجًا للقتل.
وأكثر من هذا، هو أن الجماعات الراديكالية الإرهابية الحديثة لا تستهدف بقتل الغدر، القيادات السياسية أو العسكرية كما كان يصنع «الحشاشون»، بل إنها تستهدف بذلك عامة الناس من مدنيين وعسكريين، فهي تقتل في الأسواق والمطارات، بل لقد فاقت جميع أصناف الإرهاب وجماعاته قديمًا وحديثًا باستهدافها لمقدسات الإسلام، وتعمدها لقتل الغدر في مقدسات المسلمين ومساجدهم، وفي الأزمنة المحرمة كالأشهر الحرم، ولم تكتف بذلك حتى استباحت أعظم مقدسات المسلمين في مكة، حيث كان تنظيم القاعدة يصنع من قبل، وفي المدينة النبوية كما صنع «داعش» مؤخرًا.
لم يتجرأ على الحرمين الشريفين إلا فرقة «القرامطة» في التاريخ الإسلامي، وإرهابيو العصر الحديث هم أقرب الناس لتلك الفرقة، بل هم «القرامطة الجدد»، فمثل أسلافهم، فهم يستخدمون الدين لخدمة أهدافهم السياسية، وهم يستبيحون كل المحرمات بغرض الوصول إلى السلطة، وهم يعتقدون أن القتل وإراقة الدماء هما من أفضل الطرق للظفر بمبتغاهم، ونقاط التشابه بينهم وبين سلفهم ظاهرةٌ بينةٌ، وما على القارئ إلا النظر في تاريخ القرامطة والمقارنة بهؤلاء، وليس من نافلة القول إن القرامطة كانوا أشهر من استخدم لفظ «الداعية» في التراث الإسلامي الذي أساءوا استخدامه، وإرهابيو اليوم يستخدمونه بالمعنى ذاته، وما أشبه الليلة بالبارحة.
وفي الوقت المعاصر فقدوة «داعش» هي الجمهورية الإسلامية في إيران، التي ناصبت العداء للسعودية ودول الخليج من أول يوم لقيام ما تسميه الثورة الإسلامية الخمينية، وقد قامت في عام 1986 بتدريب حجاجها لنشر الإرهاب والعنف وإراقة الدماء في موسم الحج، وهو ما أدى لمقتل مئات الحجاج الآمنين في الشهر الحرام في البلد الحرام.
لقد ثبت اليوم أن علاقة إيران بتنظيم القاعدة عميقة ومتشعبةٌ ومثبتةٌ بالحقائق والوثائق، وهي علاقة مهدت لها العلاقة الطويلة بين جناحي الإسلام السياسي السني والشيعي، والتي بدأت منذ حسن البنا في الأربعينات من القرن الماضي، وتطورت لاحقًا، وصولاً إلى الواقع المعيش اليوم، وهي علاقة لها تفاصيل طويلة ليس هذا موضع سردها.
أسامة بن لادن على وعي بهذه العلاقة مع إيران، وقيادات تنظيمه كذلك، والوثائق التي نشرت قبل فترة والتي أخذت من مقر بن لادن الذي قتل فيه، تثبت ذلك بما لا يدع مجالاً للشك، ومن قبل كانت قيادات «القاعدة» يجدون ملجأ مطمئنًا في إيران من أبناء بن لادن نفسه وعائلته وقيادات مثل سيف العدل، وأبو منصور الموريتاني، وسعد بن لادن وغيرهم.
وكذلك الرسالة المشهورة لأيمن الظواهري لأبي مصعب الزرقاوي بعدم التعرض لمصالح إيران في العراق، وغيرها من الدلائل، وكلها تشير لعلاقةٍ عميقةٍ بين هذا التنظيم الإرهابي وبين إيران الولي الفقيه، وكذلك العلاقات التي بنتها إيران مع جماعة طالبان الإرهابية ولم تزل تعززها وتدعمها رغبةً في نشر الإرهاب.
وما تنظيم داعش الإرهابي إلى أداةٌ في المشروع الإيراني، يستخدمها ما شاء أن يستخدمها، ويلفظها متى شاء أن يلفظها كأي عميلٍ رخيصٍ يخدم أعداء وطنه وشعبه، وعلاقة «داعش» بنظام الأسد التابع لإيران أشهر من أن يدلل عليها، والشهادات الميدانية لقيادات المعارضة السورية ولنشاط «داعش» القتالي في سوريا لا تدع مجالاً للشك في عمالة التنظيم لإيران.
هدف إيران هو اختراق السعودية ودول الخليج العربي عبر عدة طرقٍ، منها خلايا التجسس ومنها جماعات ورموز الإرهاب الشيعي، ومنها جماعات ورموز الإرهاب السني، وهي استخدمت تنظيم القاعدة لضرب استقرار السعودية من قبل، وهي تستخدم اليوم تنظيم داعش للغرض ذاته والغاية نفسها.
وأفراد «داعش» المتوحشون البشعون المتطرفون حدثاء الأسنان، صغار العقول، يحترقون في نار الفرس وخدمة أهداف إيران عن طريق تنظيم داعش، فلا يعلم الإرهابي الصغير المتشدد أنه مجرد ترسٍ صغيرٍ في ماكينة إيران الإرهابية الكبرى، مهما زين له مجندوه ومهما شتموا أمامه إيران ليخدعوه، ويزجوا به في نير الإرهاب التي يحارب بها وطنه ومجتمع وعائلته وأهله.
لن ينتهي الإرهاب وجماعاته وتياراته وتنظيماته ورموزه إلا بمحاربة أسس الإرهاب وجذوره، والقضاء على الإرهاب لن يتم إلا بتعاون دولي يضع النقاط على الحروف، ويذهب للجذور ولا يكتفي بالأطراف، ويقضي على أصل الداء، ويحفظ الأجيال من شروره وبشاعته.
قدّم رجال الأمن السعوديون أرواحهم فداء لوطنهم، وبذلوا دماءهم الزكية دفاعًا عن مقدسات المسلمين وعن الحرمين الشريفين، وذهبت أرواح أربعة أبطالٍ منهم في مواجهة «الداعشي» المجرم الذي استهدف الحرم النبوي في المدينة المنورة، واستهدف أرواح الزائرين الآمنين الذين لم يفتروا عن اللهج بالدعاء والتضرع والصلاة في أطهر البقاع، ولولا يقظة رجال الأمن لربما كان المصاب أعظم.
أخيرًا، فخير الكلام ما قلّ ودلّ، وقد جاء في كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في التهنئة بعيد الفطر، والتي جاءت بعد تلك الجرائم الإرهابية البشعة التي انتشرت في شهر رمضان في السعودية وغيرها من بلدان العالم قوله: «أكبر تحدٍ تواجهه أمتنا الإسلامية هو المحافظة على ثروتها الحقيقية وأمل مستقبلها وهم الشباب من المخاطر التي تواجههم، وبخاصة الغلو والتطرف، واتباع الدعوات الخبيثة المظللة التي تدفعهم إلى سلوكيات وممارسات شاذة وغريبة تتنافى مع الفطرة السوية، ومع مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف».

التعليقات