كتاب 11

02:11 مساءً EET

الزلزال في تركيا: مسرحية أم إنقلاب؟

ضرب زلزال عسكري مؤسسة الرئاسة في تركيا مساء يوم الجمعة 15 يوليو 2016 في محاولة إنقلاب باءت بالفشل بعد 6 ساعات من إنطلاقها وإعلان البيان الأول للجيش. إهتز العالم على إثر هذا الزلزال وتوالت التصريحات الرسمية الحذرة من موسكو وواشنطن ولندن وبروكسل وصولاً إلى الدوحة التي شجبت الإنقلاب بالطبع، أما دمشق فقد إبتهج الشعب بخبر الإنقلاب من دون تصريح رسمي. ومع إنجلاء الموقف بعض الشيء، يمكن طرح سؤال حول هذا الزلزال، هل هو مسرحية سياسية أو إنقلاب عسكري؟ إذ يمكن النظر إلى محاولة الإنقلاب ضمن 3 سيناريوهات:

السيناريو الأول: محاولة إنقلاب من خصوم أردوغان السياسيين بإستخدام ثلة من العسكر لتنفيذ الإنقلاب، مع إشارة واضحة وإتهام معلن للمعارض التركي وخصم أردوغان الحقيقي والقوي “فتح الله غولان” الذي يقيم في بنسلڤانيا بالولايات المتحدة ويتعاطف معه شريحة كبيرة من الشعب التركي لإنتمائه لفكر “الإسلام الإجتماعي” وليس “الإسلام السياسي”؛

السيناريو الثاني: محاولة إرسال رسالة تحذيرية من “العسكر” في تركيا لكبح جماح مؤسسة الرئاسة وللرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الجيش التركي العمود الفقري للدولة التركية وحامي حمى العلمانية لازال قوياً ومتيقضاً بعد خمس إنقلابات نجحت جميعها خلال نصف القرن الماضي في العام 1960, 1971, 1980, 1997, 2001 وإستباقاً لمزيد من الإجراءات الرئاسية في تطهير وتحجيم مؤسسة الجيش؛

السيناريو الثالث: أن محاولة الإنقلاب الهشة هي من تدبير الرئيس التركي “أردوغان” ذاته، بمساعدة الإستخبارات التركية بهدف إعلان الفصل الأخير من مخطط الرئيس التركي في القبض على كافة مفاصل الدولة التركية قبل البرلمان والدستور بعد أسبوع من الإنقلاب السياسي لتركيا في السياسة الخارجية تجاه روسيا وإسرائيل وسوريا وربما مصر.

ومهما يكن السيناريو المحتمل من السيناريوهات الثلاثة، أو سيناريو آخر كخليط بينها، نجادل بأن سقوط تركيا الدولة بات وشيكاً بصرف النظر عن سقوط النظام وحزب العدالة والتنمية وأردوغان. فتركيا تعيش أسوأ مراحلها السياسية على مدى تاريخها منذ سنوات الربيع العربي وتحديداً مع التدخل التركي السافر في سوريا، ودعم الإرهابيين القادمين إلى سوريا، وتمرير اللاجئين إلى دول الإتحاد الأوروبي، والعلاقة مع الأكراد في الداخل التركي والعراق وسوريا، وتأزم العلاقة مع الولايات المتحدة، وروسيا، والإتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي. ينبيء عن ذلك ويضاف إليه، جهود رجب طيب أردوغان نحو السلطة المطلقة في تركيا، وطموحه لأن يكون الحاكم الأوحد لمنطقة الشرق الأوسط.

ترجيح السيناريو الثالث يدعمه عدد من المؤشرات: توقيت محاولة الإنقلاب؛ طلب أردوغان من الشعب للنزول إلى الشارع؛ ظهور الرئيس التركي السريع. أولاً: أن الأحداث التي كان متوقعاً للجيش أن يتحرك فيها مرت بسلام، كما يجادل الخبير الإستراتيجي، د. بشير عبد الفتاح، مثل أحداث “تقسيم” في العام 2013 ؛ والمحاكمات التي جرت لقيادات الجيش في “أرجيلكون” و”المطرقة” منذ العام 2011. كما أن الساعة ٧:٣٠ مساء في يوم الجمعة (العطلة)، وإقفال جسر البسفور، وجسر السلطان محمد، المكتظة بالحركة يجعل من الإنقلاب أشبه بالمسرحية أو محاولة غير جدية. ثانياً: طلب الرئيس التركي من الشعب أن ينزل إلى الشارع في وقت يتم فيه قصف المطار، والقصر الرئاسي، والبرلمان، ومبنى المخابرات، والتلفزيون أمر يدعو للتشكيك في الإنقلاب العسكري ودليل على عدم الإهتمام بسلامة المدنيين. ثالثاً: ظهور أردوغان للعلن والعامة خلال ساعات الإنقلاب مع تواتر تأكيدات لقصف المروحيات ونزول الدبابات والتفجيرات لعدد من الأجهزة الحساسة وأنباء عن مقتل رئيس الأركان، وتزعم قائد القوات الجوية والبرية، هو مجازفة لا تدل إلا على مسرحية الإنقلاب ونوايا الرئيس التركي لخلق قاعدة شعبية متجددة بتصوير نفسه بـ “الأباضاي”، كما سبق أن وصف نفسه.

يتوقع أن تكشف الأسابيع والأشهر القليلة القادم ماهية الإنقلاب تبعاً لما سيتم إتخاذه من قرارات داخلية وقانونية كرد على محاولة الإنقلاب. لكن محاولة الإنقلاب أي يكن السيناريو هي جزء وفصل من فصول الإرتباك السياسي وبوادر الفوضى التي ضربت تركيا مؤخراً. ولا يمكن فصلها عن مسلسل التفجيرات الأرهابية التي تعرضت لها تركيا خلال العام الماضي. الأكيد، أن تركيا الدولة أوشكت على السقوط بسبب وقوفها حائرة بين العلمانية والإسلام السياسي منذ تولي أردوغان زمام القيادة في حزب العدالة والتنمية وترقيه في السلطة بتسارع نحو حكم الفرد، كما هو منهج “الأخوان المسلمين” في التعامل مع السلطة السياسية.

نجح الرئيس التركي أردوغان وحزب العدالة والتنمية خلال العقد الماضي في رفع مكانة تركيا من الناحية الإقتصادية بشكل غير مسبوق. كما إستحق بذلك أردوغان شخصياً ثقة غالبية الشعب التركي، الذي ظهر واضحاً في نتائج عدد من الإنتخابات حتى ولو لم يحصل على الغالبية العظمى في البرلمان لكي يقوم بالتعديل المنشود للدستور. لكن هذا الإنفراد بالسلطة التي يسعى إليها أردوغان هو المسار الذي يخيف العسكر (مؤسسة الجيش) في تركيا ولكثير من القوى الديموقراطية العظمى. كما أن عدم نجاحه في الإنضمام للإتحاد الأوروبي، وفشله في الهيمنة على الشرق الأوسط خلال “الربيع العربي” وتأزم العلاقة مع مصر العمود الفقري للعالم العربي، خلق علاقة الحب/ الكره مع تركيا وحزب العدالة والتنمية وأردوغان.

هناك من يرى ان الولايات المتحدة لم تعد متحمسة لبقاء أردوغان في السلطة، وأن تصريحات جون كيري من موسكو خلال محاولة الإنقلاب حملت كثير من الميوعة والسيولة تشي بالهوة أو الفجوة بين الولايات المتحدة وتركيا. البعض يرى أن الولايات المتحدة إستنفدت غايتها من رجب طيب أردوغان وأن جون كيري تصرف في تعليقه على محاولة الإنقلاب على قاعدة “لم آمر بها لكنها لم تسؤني”. أما روسيا، فبالرغم من عودة العلاقات الى طبيعتها بعد إعتذار تركيا، والمشاريع الإستراتيجية والسياحية، إلا أن بوتين ليس متحمس لبقاء أردوغان في السلطة. بالتسبة لمصر فقد تباعدت الشقة بينها وبين تركيا بسبب موقف أردوغان من الأخوان والتدخل في الشأن الداخلي المصري، وبنظرة عجلى على عناوين و “مانشيتات” الصحف المصرية لليوم التالي لمحاولة الإنقلاب، يعطي مؤشر لقياس ومعرفة المزاج المصري العام. صحيفة الإهرام: “الجيش التركي يطيح بأردوغان”؛ المصري اليوم: “الجيش التركي يطيح بأردوغان”؛ الوطن: الجيش يحكم تركيا ويطيح بأردوغان”؛ وصحيفة أخرى: “تركيا في مهب الريح”.

ردود الفعل الأوروبية كانت أكثر من حذرة ما عدا تصريح مقتضب من مسئولة السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي. فأوروبا تترنح سياسياً وإقتصادياً وأمنياً. فإنفصال بريطانيا في الجناح الغربي لها، وإرتفاع وتيرة العنف والإرهاب في وسطها، وإزدياد الفوضى في شمال أفريقيا جنوب القارة العجوز، وإرتباك المشهد في تركيا جناحها الشرقي، يضع القادة في أوروبا في موقف لا يحسد عليه. فالهجرة الجماعية للاجئين الذين سهلت لهم تركيا التسلل إلى أوروبا أصابت النظام الأوروبي بمأزق سياسي، وأخلاقي، وإجتماعي، وأمني مما حد بألمانيا زعيمة القارة من تقديم تنازلات لتركيا في وعد بالإنضمام للإتحاد الأوروبي، ودعم مالي مجزي لإيقاف طوفان اللاجئين. فمن ناحية، لا تتحسر أوروبا على سقوط أردوغان وأيديولوجية حزبه وتاريخ تركيا لحقوق الإنسان، من ناحية أخرى، تضل أوروبا مكبلة وحبيسة خوف مريع من فوضى في تركيا تفتح عليها نار الارهاب.

خليجياً خرجت قطر، كما هو متوقع، عن الحذر والتروي الذي هيمن على المواقف الرسمية الخليجية، وأعلنت رسمياً رفضها للإنقلاب مما أثار سخرية الكثير في وسائل التواصل الإجتماعي، إذ يرى كثيرون أن قطر لا تحمل أي أهمية تذكر في القبول أو الرفض. أما في السعودية وبقية دول الخليج شعبياً، فيمكن معرفة المتحمسين لنجاح الإنقلاب من الرافضين له من خلال توجهاتهم الأيديولوجية والدينية. فالذين يدعمون ويشجعون ويتعاطفون مع “الأخوان المسلمين” كانوا من فريق الرافضين والشاجبين لمحاولة الإنقلاب. أما السواد الأعظم فإنقسموا بدورهم إلى فريقين: فريق يأسف على تحول تركيا إلى فوضى بحكمها بلد سياحي وإستثماري؛ وفريق أخر كان من الشامتين بأردوغان ومحاولته تقمص شخصية السلطان العثماني الذي يذكرهم بأسوأ مراحل التاريخ من الذل والهوان الذي أذاقته الإمبراطورية العثمانية للعرب.

أخيراً، لم ينجح الإنقلاب العسكري مما يعد نشازاً بين تاريخ الإنقلابات العسكرية في تركيا، لكن المحاولة في حد ذاتها حققت لتركيا وحزب العدالة والتنمية ولأردوغان، تحديداً، فرصة ذهبية لكشف المشاعر الداخلية والدولية، يمكن البناء عليها وتحديد المسار السياسي لتركيا في المستقبل، فأما السير في طريق الحكمة ومصالح الشعب التركي، أو السير خلف أوهام القوة والسلطة حتى يصاب أردوغان وحزبه ودولته بالعمى، وعندها يصبح كل شيء مفاجئاً، كما يجادل مايكل هوارد، أستاذ التاريخ السياسي. ختاماً، فصول وتفاصيل محاولة الإنقلاب، أو مسرحية الإنقلاب تحتوي على دروس كثيرة يمكن الإستفادة منها في المكر السياسي.

كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]
Saudianalyst

التعليقات