كتاب 11

09:46 صباحًا EET

الحمد لله فشل الانقلاب

الحمد لله فشل الانقلاب في تركيا، ليس لأنني أحب إردوغان، أو لأنه «زعيم» للمسلمين كما تراه جماعة الإخوان، وليس نكاية بأذناب إيران. موقفي من إردوغان ورأيي فيه لا علاقة له بموقفي من محاولة الانقلاب، فموقفي الرافض للانقلاب لأنني لا أراه إلا حلقة جديدة من سلسلة الحلقات الفاشلة لإسقاط دولة شرق أوسطية لإغراق المنطقة في الفوضى واستكمالاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد، ولأنني أشم رائحة الخيانة الأميركية التي لا يمكن أن يتخطاها أنف أي مراقب، فأميركا لم تكن لتغفر لإردوغان إدارة ظهره لها وتوجهه للروس، وإردوغان لم يكن ليغفر لها خذلانها له في خصومته مع الروس وخذلانها له في دعم الأكراد على حساب أمن حدوده.
وهناك وجهة نظر أن روسًا هم من أعد تلك «المجموعة» التي لا يتعدى حجمها حجم كتيبة صغيرة للقيام بتلك المحاولة، قبل أن يلتفت إردوغان لها ويتصالح معها، التفافًا براغماتيًا أذهل أوروبا وأميركا معًا التي كانت تستعد لفرض العقوبات على الدب الروسي، والأدهى أنه أذهل حتى الروس أنفسهم، ولكن المجموعة كانت قد أطلقت ساعة الصفر وتحركت، وليس بمستبعد أن من ضغط على زر الانطلاق هم الجانب الأميركي، فيكفي تأخر إعلان الموقف الرسمي لأوباما ليفضح حجم التواطؤ الأميركي ووجود فتح الله غولن في بنسلفانيا، ولعبة القوى الناعمة الممثلة في محطتي «سي إن إن» و«رويترز» كانت واضحة جدًا!
في النهاية، أيًا كانت الجهة التي تقف وراء هذه المجموعة، فإنه انقلاب محركه أجنبي مائة في المائة ليس له أي قاعدة شعبية داخل تركيا وليس له قاعدة في الجيش التركي، وانقلاب كهذا دون قاعدة شعبية يعني غرق تركيا في بحر من الدماء وفوضى عارمة وهذا آخر ما تحتاج إليه منطقتنا الآن، لهذا فرحت لفشل الانقلاب انتصارًا لتركيا ولأمن المنطقة لا انتصارًا لإردوغان.. انتصار على فشل المحاولات الأميركية الواحدة تلو الأخرى لإعادة ترتيب المنطقة وفق مصالحها لا مصالح شعوب المنطقة.
لذلك فإن القبعة تُرفع للشعب التركي الذي ما رفع صورة لإردوغان حين خرج يتصدى بصدره العاري أمام الدبابات والطائرات المحلقة للانقلاب الفاشل، إنما رفع العلم التركي، كما أن المعارضة التركية ممثلة في البرلمان وفي الأحزاب التي هي خارج البرلمان تستحق أن يُرفع لها القبعة، فلم تكن انتهازية وحقيرة كما هي المجموعات التي تدعي أنها «معارضة» في البحرين خاصة، فلم تتخاذل وتَخُن الدستور التركي الذي تعاهدت به مع شركائها في الدولة، وأقسمت على حمايته حين وصلت لكرسي البرلمان، بل اعترضت، وهي المستفيدة، اعترضت، وهي التي تخاصم إردوغان خصومة لعنان السماء، ووقفت موقفًا وطنيًا تركيًا سيسطره التاريخ لها، درسًا للخونة والمتخاذلين عندنا ليتعلموا معنى ومفهوم «المعارضة» الوطنية.
أما من هَلّل وفرح لحظة الانقلاب بشعور عاطفي صرف أتفهمه جيدًا، خصوصًا من مصر الحبيبة ومن والاها – ونحن منهم – فنحن من الموالين لشعب مصر ولمصر التي ضاقت ذرعًا بموقف إردوغان الذي ناصب شعب مصر العداء ونصب نفسه زعيمًا للمسلمين، وآوى جماعة الإخوان، وفتح تركيا معقلاً لهم في الوقت الذي تتعرض فيه مصر للإرهاب دون أن يرف لإردوغان جفن، وكأن الذين يتساقطون على أرض مصر من أبناء جيشها ليسوا بمسلمين، فهؤلاء نتفهم شعورهم، ولكننا لا نتفق معهم، فقد كان «الفرح» نكاية به شخصيًا لم تحركه سوى عاطفة التشفي والانتقام، وتلك لها جذوة قصيرة ستختفي حين تغرق تركيا في الفوضى ويصيبنا شررها.
أما فرح أذناب إيران فلأنهم تمنوا انفراد زعيمتهم في المنطقة، وتمنوا نجاح الانقلاب حتى تنعم سيدتهم بفريستها وحدها، انبطاحية مقيتة لمحتل فارسي لا يرى فيهم سوى حشرات عربية ستدهس بعد أن تطأ قدم الفرس دولهم.
ونأتي لموقف «الإخوان» في الخليج، ولا أدري متى سيتعلمون الدرس، فموقفهم لا يقل انبطاحية، فإن كانت جماعة الولي الفقيه تنظر للفقيه على أنه زعيم لها، فإن «الإخوان» ينظرون لإردوغان على أنه زعيم لهم، ولم تكن فزعتهم للدستور التركي ولا للأمن وسلامة المنطقة بل فزعتهم وفرحهم «لزعيم» لهم لا أكثر ولا أقل، وتلك نظرة هي الأخرى قاصرة عوراء تغمض عينها عن آلاف السنوات الضوئية التي تباعد بين إردوغان والزعامة «الإسلامية»، وتراه بعين تبجل «إسلاميته»، وتغمض الأخرى عن براغماتيته وعلمانيته رغم تدينه فموقفه من المثليين ومن التطبيع مع إسرائيل ومن الخمر والملاهي وكل الموبقات التي يحرمها الإسلام في تركيا لا يتفق مع الزعامة الدينية التي يسوق نفسه لها، كما أن موقفه وإدارة ظهره للشعب السوري أخيرًا وعن استعداده للتفاهم مع بشار، والتفافته لروسيا أخيرًا واعتذاره لها، موقف زعيم علماني براغماتي قح صرف لا علاقة له بمصلحة الدولة العربية ولا بالإسلام كدين.
في النهاية، كان فشل الانقلاب فشلاً جديدًا يضاف لسلسلة الفشل لهذه الإدارة التي لم يمر على البيت الأبيض أحد بغبائها.

التعليقات