كتاب 11

12:04 مساءً EET

تركيا وأزمة الكتابة: الراشد والدخيّل أنموذجاً

أكدت أحداث ١٥ يوليو ٢٠١٦م في تركيا أزمة يعيشها بعض الكتاب في السعودية، وهي تتلخص في سوء قراءتهم للأحداث السياسية بمعزل عن النظرية السياسية والتحليل السياسي، وبمعزل أيضاً، عن توجهاتهم وأيديولوجياتهم. وسنأخذ، كأنموذجاً، كاتبين من “الطراز الأول الرفيع” في السعودية ولهما شهرة واسعة على مستوى الوطن العربي، وخارجه، وهما الزميلين والصديقين: عبدالرحمن الراشد؛ وخالد الدخيّل، ولا أظن أننا بحاجة لتعريف اي منهما. فكما أن الشدائد تكشف الأفراد والدول، فهي تندرج، أيضاً، على الكتاب والمثقفين الذين تنساق الجماهير خلف رأيهم شفاهة أو كتابة في وسائل الإعلام التليد والجديد. إخترنا: الراشد والدخيّل لخمسة أسباب: (١) الميانة بحكم الزمالة والمعرفة والتواصل؛ (٢) لأنهم الأفضل في سوق كتابة الرأي والتحليل في السعودية؛ (٣) لأني تلقيت كرماً منهما ملاحظات مفيدة حول ما سبق أن كتبته عن إيران وسوريا وتركيا مؤخراً؛ (٤) لأن الأحداث السياسية في منطقتنا ستشتد ضراوة والمستقبل مليء بالمفاجأت؛ و (٥) ربما لنيل جزء من الشهرة عبر الإحتكاك ونقد إثنين من أعلام الإعلام السعودي والعربي.

نختصر التوصيف، أو التصنيف، لنقول أن عبدالرحمن الراشد هو “كاتب سياسي” بحكم طبيعة عملة وخبرته لعقود في رئاسة تحرير صحيفة الشرق الأوسط (الصحيفة السعودية المهاجرة)، والتي لازال يكتب فيها، ثم رئاسته لإدارة قناة العربية (الصحيفة السعودية المرئية) والمهاجرة أيضاً. أما خالد الدخيّل فهو كاتب في “الشأن السياسي” في صحيفة الحياة اللبنانية المستوطنة في السعودية، وهو أكاديمي، يمكن لنا أن نطلق عليه “أستاذ الوهابية” وهو المؤلف والدارس والمدرس لكتاب “الوهابية .. بين الشرك وتصدع القبيلة” بحكم تخصصه في علم الإجتماع السياسي. إذاً نحن أمام كاتبين مختلفين نوعاً ما: الأول، كاتب سياسي، والآخر، كاتب في الشأن السياسي، وهناك فرق.

كتب الراشد عن التوجهات السياسية للحكومة السعودية منذ أن ترأس تحرير صحيفة الشرق الأوسط، وباتت كتابات الراشد مؤشر على التوجهات الرسمية، حتى تقولب فيها الكاتب ولم يتمكن من الإنعتاق من ذلك الخط شبه الرسمي الذي دأب على تفسير السياسة السعودية بصياغات أخرى. أما الدخيّل فتأثر كثيراً بالطابع الأيديولوجي “الوهابي” تحديداً وبات ذلك الطابع يشكل الأرضية والمنطلق الفكري لحكمه على الأمور والقضايا السياسية. نخلص إلى أنه يمكن للمراقب أن يستنتج أن الراشد يمثل رأي المؤسسة السياسية، والدخيّل يمثل رأي المؤسسة الدينية، لكن كلاهما يعبّر بصياغة سياسية. مع العلم، إن كلاهما عانى من إتهامات وتصنيفات كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

عجز الراشد والدخيّل عن كتابة رأي أو إجراء تحليل سياسي محايد ومستقل، لأهم الأحداث الإقليمية: إيران، سوريا، لبنان، اليمن، البحرين، وأخيراً، تركيا. من ناحية أخرى، نجد الهوة كبيرة بين فكر وقلم عبدالرحمن الراشد، فنجد أن الراشد منفتح فكرياً وبراغماتي ومتصالح مع كثير من النظريات والسيناريوهات السياسية في الأحاديث الخاصة، لكن عندما يحين وقت الكتابة يعصاه قلمه الذي تطبِّع بكتابة الأراء التي تمثل وجهة النظر الرسمية، مع هامش قليل من التصرف. بينما نجد خالد الدخيّل يتطابق فكره مع قلمه تقريباً، وهذا شأن الكاتب الأيديولوجي. لكن، كلاهما “إصراري” Assertive، ولا نقول عنيد Stubborn، فالراشد محكوم بالسياسة والدخيّل بالأيديولوجيا.

نجد في كتابات الراشد والدخيّل، وحدة الفكرة، وجمال الأسلوب، وحسن الصياغة، وتماسك المقال، مما يجعل أراءهم مؤثرة، لكن كلاهما يفتقر إلى التخصص ومعرفة النظريات السياسية بعمق لتوظيفها في الجدل والحجج المطروحة. عدم معرفة وتوظيف النظريات السياسية يجعل من المقال بعيداً كل البعد عن الواقع وخصوصاً المآلات والنتائج. ولو جمعنا كتابات الراشد والدخيّل حول إيران وسوريا والعراق، ومؤخراً تركيا، لإكتشفنا من دون أدنى عناء، أن كلاهما “فسر الماء بعد الجهد بالماء”، كما يقول المثل. وهذه واحدة من أزمات الإعلام العربي، والسعودي تحديداً: ندرة وجود الكاتب المتخصص المحايد المستقل أو السماح له، لسبب بسيط، وهو أن المستهدف من تلك الكتابات، ليس القاريء، بل السياسي.

كتب عبدالرحمن الراشد في كل حدث سياسي، تقريباً، لكنه على الدوام يسطر وجهة نظر رسمية بقالب توضيحي للمراد والمستهدف، وكأنه يبرر أو يفسر أو يوضح قرار الحكومة في حدث سياسي معيّن. كان هذا الأمر مقبولاً، عندما كان الراشد يشغل منصب رئاسة تحرير صحيفة الشرق الأوسط. فرؤساء تحرير الصحف العربية بشكل عام، هم موظفون لدى وزراء أو وزارات الإعلام بدرجة رئيس تحرير. البعض يشبّه رؤساء التحرير في السعودية بمنصب “الممثل المالي” الذي يخضع لرأي وتوجيهات وزارة المالية في الموافقة أو الرفض للمصروفات الحكومية. لكن بعد إبتعاد الراشد عن ذلك المنصب الرسمي، توقع محبيه كتابة مختلفة ومغايرة، لكنه لم يتمكن من الإنعتاق من كتابة الرأي السياسي الأقرب إلى وجهة النظر الرسمية، وقد يكون معذوراً فلديه أسبابه.

أما خالد الدخيّل فقد كتب كثير بشكل مكثف عن إيران، على سبيل المثال، وهو موضوع تخصصه كأستاذ لعلم الإجتماع السياسي، لكن جنوحه نحو التعمق في الشأن السياسي أبعده عن تخصصه وعن تقديم منفعة فكرية للقاريء، فعلم الإجتماع السياسي هو أحد تخصصات علم الإجتماع، وليس علم السياسة، إذا أطلقنا مصطلح “علم” على الدراسات السياسية. فنجد، عَلى سبيل المثال، أن نظرية “توازن القوى”، و “القطبية”، و “المعضلة الأمنية”، و “تحرك القوة”، ونظريات سياسية أخرى كثيرة غائبة عن المشهد التحليلي لدى الدخيّل، بالرغم من أنه أكاديمي يفترض فيه الإنغماس في التعامل مع النظريات. مما يجعل من مقالات خالد الدخيّل في قالب التهييج والتحريض الأيديولوجي والطائفي، أكثر منها رأي ورؤية علمية عن طبيعة وأسباب ومئالات ما يجري من أحداث سياسية.

يشترك الراشد والدخيّل في معضلة فكرية واحدة، وهي أن مقالات الكاتبين السياسية يغلب عليها الذاتية والإنطباعية والبعد عن الحيادية مما يجعلها أقرب إلى الكتابة الممهورة بالعاطفة. الحب والكراهية ليس لها مكان في الرأي والتحليل السياسي الذي يفترض أن يكون محايداً ومستقلاً. بمعنى أخر، الكاتب سعودي الهوية، إذاً هو بالضرورة يجب أن يكون مع أو ضد كل حدث بحسب الموقف الرسمي. وهذا خطأ جسيم، وهنا يقع المثقف والمفكر والكاتب في ورطة ومأزق ومعضلة: ماذا لو كانت وجهة النظر الرسمية مفبركة لغايات ورسائل سياسية؟ ماذا لو غيّرت الحكومة رأيها تجاه حدث سياسي معيّن؟ فالسياسة تتغير بتغيّر المصالح الوطنية والدولية، عند حكماء السياسة. هذا أكبر مأزق وقع فيه صديقنا الراشد والدخيّل في الأحداث السياسية الحالية: إيران وسوريا والعراق ولبنان وتركيا مؤخراً. السياسة حرب، والحرب خدعة، والخدعة مكر، والمكر فيه السيء والحسن. المحصلة، أن لا مكان للأخلاق في السياسة الخارجية، وهذا مأزق فكري لدى الكاتب السعودي في الشأن السياسي بشكل عام. الكتابة المحايدة تدعم مُتَّخِذ القرار السياسي بطرق أخرى، وتؤدي إلى مايسمى تبادل الأدوار بين السياسي والمثقف. ولذا فالكتابة السياسية أمر عسير في عالمنا العربي بحكم مفهوم وعلاقة الساسة بالإعلام والمثقفين والكتّاب، وأولئك بالساسة والسياسة، وهذا ما يفسر جزئيا فشل الساسة والمثقفين والكتاب العرب في السياسة والكتابة معاً.

أخيراً، يشكل كل من عبدالرحمن الراشد، وخالد الدخيّل جوهرة ثمينة في تاج “صاحبة الجلالة” الصحافة السعودية والعربية، لكن الأحداث السياسية المتلاحقة والمتسارعة على المستوى الدولي والإقليمي وحتى المحلي تتطلب بإلحاح إعادة تلميع تلك الجواهر لكي تشع جلالاً وبهاء فكرياً لا يستفيد منه الحاكم السياسي فقط، بل يمتد إلى الرأي العام والفرد العادي ليتناغم الخطاب بين الحاكم والمحكوم، والدولة والشعب، فميزان القوى بات يميل لكفة الفرد أكثر وأكثر بُعيد الربيع العربي. ختاماً، بالنسبة لأحداث تركيا الأخيرة التي إختلطت على الزميلين والصديقين عبدالرحمن الراشد وخالد الدخيّل، فسنفصل فيها مستقبلاً بكل حيادية وإستقلال، وسنضيف نظرية “العلاقات العسكرية / المدنية” إلى التحليل، إذ لا يمكن دراسة ماجرى ويجرى وسيجري في تركيا من دون المرور بتلك النظرية، كما سنناقش إنعكاسات ماجرى في تركيا، سواء كان محاولة إنقلاب عسكرية أو مسرحية سياسية، على الوضع في تركيا والإقليم والعالم، لعل في ذلك فائدة لهما وللقاريء.

كاتب سعودي
[email protected]
Saudianalyst

التعليقات