كتاب 11

12:04 مساءً EET

أردوغـان وتـركيا: الصعود نحو الهاوية

ماجرى في تركيا يستحق التأمل والتعمق بعيداً عن العواطف والتفكير بالتمني. وبصرف النظر عما اذا كان ماحدث محاولة إنقلاب عسكرية أو مسرحية سياسية فإن تبعاتها على أردوغان والدولة التركية خطيرة، كما أن تبعاتها على المنطقة وتوازن القوة الدولي أمر أكثر خطورة. من ناحية أخرى، الإعتقالات التي جرت عقب فشل محاولة الإنقلاب والتي بلغت حتى الآن 43,325 من العسكريين، والمدرسين، والموظفين، والجامعيين، والإعلاميين، والقضاة وصولاً إلى موظفي الأوقاف، يشير إلى أمرين: (1) مخطط محكم سبق محاولة الإنقلاب للتفرد بالسلطة والتخلص من جميع المناوئين للرئيس التركي في كافة مفاصل الدولة؛ (2) مسلسل صعود لأردوغان نحو الطغيان، يعيد إلى الذاكرة مسلسل صعود “هتلر” إلى السلطة.

فشل محاولة الإنقلاب في تركيا التي خطط لها وشارك في تنفيذها كبار قادة وضباط المؤسسة العسكرية في تركيا، كما هو معلن رسمياً، هو بالتأكيد فشل للجيش والمؤسسة العسكرية التي لها وضع خاص في تركيا “الدولة”. فشل المؤسسة العسكرية (الجيش) الحامي للعلمانية هو نذير بفشل العلمانية، وبالتالي الدولة الحديثة بعد الإمبراطورية العثمانية. وفشل الجيش، ثالثاً، هو إمتهان لحدود الدولة وتحويلها إلى جغرافيا مستباحة داخلياً وخارجياً. فماذا يعني الإعلان عن فشل مجموعة من كبار قادة وضباط الجيش في تركيا؟ وما تأثيره على الدولة التركية داخلياً وخارجياً؟ وماهي النتائج الإستراتيجية والسياسية والعسكرية المُحتملة محلياً وإقليمياً ودولياً؟

توصّف نظرية “العلاقات العسكرية / المدنية” العلاقة بين المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية، ومن أبرز من أسهم فيها: موريس جانڤيتز، وصامويل هانتغتون. فالنظرية تقوم على فرضية ان التحكم المدني بالمؤسسة العسكرية أمر مفضل على التحكم العسكري بالدولة، لأنه يخدم المدننة والديموقراطية، ويخفف بالتالي من وتيرة الحروب. وهذا ما عمل عليه أو تحجج به أردوغان في تركيا. لكن، النظرية الغربية تجد تحديات كبرى إذ يستشهد البعض بأدولف هتلر الزعيم النازي الألماني، الذي ساهم صعوده المتسارع إلى السلطة والإستفراد بها بوسائل ديموقراطية ومدنية، إلى دحض نظريتين: (1) نظرية العلاقات العسكرية / المدنية لخلق التوازن المطلوب؛ (2) ونظرية أخرى تجادل بأن الدول الديموقراطية لا تتحارب.

تعتبر العلاقة بين الدولة والجيش في تركيا، علاقة من نوع خاص، إذ أنها: وجودية دستورية. فالمؤسسة العسكرية هي الحامي للعلمانية عند تأسيس الدولة التركية الحديثة في العام 1923 وعرابها مصطفى كمال أتاتورك، مما يفسر تدخل المؤسسة العسكرية (5) مرات في الشأن السياسي التركي – في العام 1960, 1971, 1980, 1997, 2001 – كلها نجحت في كبح جماح السياسيين، وأكدت على أحقية الجيش في حماية ركائز الدولة التركية: النظام العلماني؛ والديموقراطية؛ والدستور. كما أن وجود الجيش وقوته كأساس في الدولة التركية، كان الضمانة الوحيدة للغرب في عدم عودة الإمبراطورية العثمانية والمد الأصولي الإسلامي. لكن منذ مجيء رجب طيب أردوغان وحزبه إلى السلطة في 3 نوڤمبر من العام 2002، إتجهت جهود أردوغان وحزبه إلى تقليل تأثير الجيش في الحياة السياسية، مما يعني الإبتعاد عن النظرية “الأتاتوركية” والإقتراب نحو النظرية “الأردوغانية” .

المثير، أن الجيش في تركيا يشكل سلطة رابعة، حقيقية ودستورية إضافة للسلطات الثلاث المتعارف عليها عالمياً: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية. وهذا ما غاب عن بعض المحللين الذين إعتبروا الجيش أو المؤسسة العسكرية، مجرد “عسكر” مثلهم مثل أي دولة في العالم. وهنا يمكن المجادلة بأن تهميش دور الجيش يشكل عجزاً Discrepancy في فكرة بناء الدولة مما قد يؤدي الى أحد ثلاثة إحتمالات أو كلها مجتمعة: (1) مزيد من التناحر بين المؤسستين السياسية والعسكرية حول حق وجودي ودستوري؛ (2) التحول الى نظام فردي سلطوي دكتاتوري؛ (3) فشل الدولة وتفككها وتقسيمها.

أعلان تركيا على لسان رئيس وزرائها أن الجيش ليس له دخل في محاولة الإنقلاب، كان محاولة سياسية لترميم مايمكن ترميمه من شرخ تعمّق في العلاقة بين الرئاسة والجيش. ولكن من غير المعروف فيما اذا كان هذا الإعلان سيؤثر وينجح في إندمال الجرح العميق في العلاقة بين الساسة والعسكر. فإشتراك قائد القوات الجوية، والبرية، والبحرية، وقادة الجيش الثاني، والثالث، وقائد قاعدة “أنجرليك” الجوية، وإلقاء القبض على أكثر من (8000) أغلبهم من المؤسسة العسكرية، يعني أن العملية أكبر وأعمق من كونها تمرد جزئي صغير ومحدود بضباط وأفراد من الرتب الصغيرة والمناصب الهامشية.

فشل النخبة من كبار قادة وضباط الجيش في الإنقلاب له أبعاد خطيرة على عدة أمور: (1) تعاطف المنتسبين للمؤسسة العسكرية مع زملائهم بناء على تقليد أشبه بمبدأ يطلق عليه “رفقة السلاح” (2) سمعة المؤسسة العسكرية في التأرجح بين الولاء والأمانة والخيانة؛ (3) إنخفاض الروح المعنوية للجيش وضباطه وأفراده والتي تشكل العمود الأساس في العقيدة القتالية؛ (4) عدم الثقة والتشكيك في القدرات التخطيطية والتنفيذية للجيش التركي من بين دول حلف الناتو، التي يشكل الجيش التركي “الحبل السري” في تلك العلاقة؛ (5) إستغلال الجماعات العرقية وتحديداً الأكراد في الداخل وفي الدول المجاورة لضعف القدرات العسكرية وعُزلة الجيش؛ (6) تناقص تأثير تركيا في التحالفات السياسية والعسكرية الإقليمية؛ (7) بحث القوى الغربية ( حلف الناتو) عن بدائل في المنطقة لتواجد عسكري يعتمد عليه لملأ الفراغ الناتج عن ضعف الجيش التركي وإمكانية خروجه من معادلة القوة الدولية.

من جانب آخر، وقع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في معضلة سياسية كبيرة، فبإستهدافه المؤسسة العسكرية وتقليم أظافرها، أو خلع أنيابها، وتقليل نفوذها في السياسة، سيضطر الرئيس والمؤسسة السياسية إلى الركون إلى المجتمع كحاضنة شعبية. هذا المجتمع التركي بقاعدته السنية يشكل علاقة مع المحيط الإقليمي العربي. إذ تعتمد علاقة تركيا مع محيطها العربي على تعاطف أيديولوجي يتمثل في الإسلام “السني”، ومع خروج الجيش التركي من معادلة الدولة التركية، سيشكل إعتماد الرئيس التركي على الحاضنة الشعبية مزيد من الإشكاليات نذكر منها أمرين: (1) إزدياد الشقاق العرقي داخل تركيا وعلى حدودها؛ (2) تنامي روح الطائفية والتطرف في المنطقة مع مجتمعات الدول العربية ذات الأغلبية “السنية” والمشحونة بالطائفية والتطرف أصلاً.

ضعف إو إضعاف الجيش التركي سيؤدي حتماً إلى ضعف تركيا الدولة، كما أن تنامي سلطة الرئيس التركي سيؤدي إلى عزل تركيا وخروجها عن خط التعايش والتوازن في المنطقة، مما سينعش قوة وأمال دولتين في المنطقة: إسرائيل وإيران. فمن المرجح أن تسعى إسرائيل إلى تجديد وتقوية نظريتها حول “الأمن القومي” بالسيطرة على مزيد من المناطق الجغرافية المحيطة بها، وزيادة عتادها العسكري للدفاع عن نفسها وعن المصالح الغربية. أما إيران فقد خلت لها الساحة السياسية بضعف تركيا وتخلي الغرب عنها مما يعطيها مزيد من الحضور في العراق وسوريا ولبنان والذي قد يتنامى الى تحالفات أكبر لدرء الخطر الناتج عن حروب أهلية محتملة في تركيا، أو نزاعات عرقية على الحدود التركية.

هنا تجدر الإشارة إلى موقف مصر الدولة العربية الأقوى في المنطقة التي ستضطر إلى التعامل مع تبعات الأحداث التركية في أربعة أبعاد: (1) تنامي هيمنة إسرائيل؛ (2) تنامي نفوذ إيران؛ (3) تنامي تطرف الأخوان؛ (4) إحتمال إختيار حلف الناتو والقوى الغربية لمصر والجيش المصري كبديل لتركيا والجيش التركي. أما بالنسبة لمعظم الدول والشعوب العربية المتبقية فلا حول لها ولا قوة، ويعتبرها خبراء، كيانات سياسية يطلق عليها تجملاً دول، ومستقبلها أقرب إلى التطرف والفوضى والتهميش والتقسيم.

أخيراً، توجه الرئيس التركي نحو التفرد بالسلطة منذ سنوات سيقود بالضرورة إلى شيء من الطغيان المدمر، ينعكس سلباً على تركيا داخلياً وخارجيا، وسيضع المؤسسة العسكرية التي وجدت لحماية العلمانية والديموقراطية في موقف وجودي للجيش وللدولة معاً. ختاماً، يتبقى سؤال: هل تقبل أوروبا والقوى الشرقية والغربية والعالم ظهور هتلر عثماني جديد؟

كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات