كتاب 11

10:32 صباحًا EET

زيارة أنور عشقي لإسرائيل والعواقب المدمـرة

نشرت صحيفة هآرتز الإسرائيلية يوم أمس الجمعة ٢٢ يوليو ٢٠١٦م، خبراً بالصور عن زيارة قام بها الضابط السعودي المتقاعد أنور عشقي، المثير للجدل، على رأس وفد من الأكاديميين ورجال الأعمال السعوديين إلى إسرائيل. وتشير الصحيفة إلى أن أنور عشقي إجتمع بـ “دور قولد”، المدير العام للخارجية الإسرائيلية، واللواء موردخاي، المنسق لنشاطات الحكومة في الأقاليم، وتضيف الصحيفة، أن عشقي والوفد إلتقوا بمجموعة من أعضاء “الكنيست” (البرلمان الإسرائيلي). هذا الخبر، أثار سخط وإستنكار المجتمع السعودي والخليجي والعربي. في الوقت ذاته، لم يصدر بيان رسمي من الخارجية السعودية يؤكد أو ينفي هذا الخبر. لكن يمكن وصف هذا الخبر مبدئياً، بأنه مقلق ومستفز ومخيب للأمال وله عواقب خطيرة ومدمرة.

المثير والمحيّر، أنها ليست المرة الأولى التي يتم الإشارة فيها إلى لقاءات سعودية إسرائيلية، ومن أنور عشقي تحديداً، وقد سبق أن صدر عن الخارجية السعودية بيان بتاريخ ٢٠ ديسمبر ٢٠١٥م ينص على “أن جمال خاشقجي ونواف عبيد وأنور عشقي، ليس لهم أي علاقة بأي جهة حكومية، ولا يعكسون وجهة نظر حكومة المملكة العربية السعودية، وأن أراءهم تعبر عن وجهات نظرهم الشخصية” (المصدر: واس). حسناً، ماذا ستقول الخارجية السعودية اليوم عن زيارة أنور عشقي الأخيرة والوفد السعودي، وكيف سيتم تبرير دعوة أنور عشقي لمجموعة من الإسرائيليين لزيارة السعودية، حسب ما أوردت الصحيفة؟ الإشكالية التي ستقع فيها الخارجية السعودية، أن الصحيفة الإسرائيلية سببت للحكومة السعودية حرجاً كبيراً بنشرها الخبر، سواء أكدت الخارجية أو نفت علمها أو علاقتها بالزيارة. فإن كنت تدري فتلك مصيبة.. وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.

العلاقة السعودية مع إسرائيل هي من التعقيد والخطورة السياسية بحيث تحتاج إلى سنوات من التمهيد، حتى بعد إعلان إسرائيل قبولها للمبادرة العربية للسلام، وحتى، أيضاً، إكتمال تنفيذ كافة بنود المبادرة، وحتى ثالثاً، قبول كافة الفصائل الفلسطينية للتنفيذ الإسرائيلي. المواقف السياسية المعلنة للسعودية حول القضية الفلسطينية منذ قيام دولة إسرائيل، باتت من المباديء والركائز الثابتة للسياسة الخارجية السعودية، التي قد تقبل المرونة الطفيفة في التنفيذ ولكن ليس في أصل المباديء، وما طرح السعودية للمبادرة، إلا جزء من تلك المرونة بهدف إيجاد حل للقضية الفلسطينية. المعروف والمستغرب، أنه منذ إعلان المبادرة العربية للسلام في العام ٢٠٠٢م وحتى اليوم، لم تعلن إسرائيل تلميحاً أو تصريحاً قبولها للمبادرة جزئياً أو كلياً، بل على العكس تماماً. فقد قام إرييل شارون بسجن ياسر عرفات لحظة إعلان المبادرة، وقبل أن يجف حبرها، وبعد ذلك إستمرت إسرائيل في صلفها وتعنتها وإستمرأت إلتهام كثير من الأراضي، وبناء المستوطنات، وشن حروب متعددة على الفلسطينيين، ناهيك عن حياكة وحبك المؤامرات في كافة أرجاء الوطن العربي، فما الذي حدث أو تغيّر من إسرائيل لكي ينطلق الضابط السعودي أنور عشقي في لقاءاته وزيارته؟

تخرج أنور عشقي من الكلية الحربية في العام ١٩٥٨م برتبة ملازم، وتنقل في أعمال ذات طابع عادي حتى تقاعد قبل (٣٦) عاماً، يذكر البعض أن له بعض المؤلفات، لكن كثير منها لم يطبع أو ينشر. يتحدث أنور اللغة الإنجليزية بشكل بدائي، ويصف ذكاؤه بعض من عرفوه، بالمتدني وبثقافة أقل من المتوسط، لا تؤهله للعب دور دبلوماسي أو سياسي ذكي ومحترف في مهمات كبرى ومع دولة مراوغة ومحترفة مثل إسرائيل. أما “دون قولد” فهو دبلوماسي محنك ولد في العام ١٩٥٣م، وقد عمل رئيس قسم الأبحاث في مركز موشي دايان بجامعة تل أبيب؛ ومستشار للوفد الإسرائيلي في مؤتمر مدريد؛ ولاعب رئيسي في العلاقة بين حزب الليكود والأردن؛ ومندوباً لإسرائيل في الأمم المتحدة(١٩٩٧-١٩٩٩)؛ ومستشار لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون (٢٠٠٢-٢٠٠٤)؛ ومستشار لبنيامين نتنياهو في الشئون الخارجية؛ وله العديد من المؤلفات والمحاضرات والندوات والدراسات والأبحاث التي تم طبعها ونشرها.

مالا يدركه أنور ماجد عشقي أن ما قام به هو أخطر على السعودية من إجراءه حوار مع كافة من تعتبرهم السعودية رسميا اليوم خصومها السياسيين، أو الأمنيين المصنفين ضمن الإرهاب ويحظر التعامل أو التعاطف معهم. فإسرائيل دولة ولدت بإرهاب وولدت الإرهاب، ولذا فالعداوة معها في كفة، والحوثيين، والإيرانيين، والسوريين، وحزب الله اللبناني، وجماعة الأخوان المسلمين، والقاعدة، وداعش، مجتمعين في كفة أخرى، على الأقل في نظر المجتمع السعودي. إسرائيل هي العدو الذي سكنت كراهيته الوجدان والعقل العربي والسعودي قرابة (٨٠) عاماً، منذ العام ١٩٤٨م مروراً بالعام ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣ وعشرات من الحروب التي قامت بها إسرائيل بعد ذلك وما نتج عنها من قتل في لبنان، وسوريا، والعراق، والضفة، وقطاع غزة. وأي تساهل تجاه إسرائيل هو تبسيط مخل لعلاقة خطرة ومعقدة. كما أنه بالرغم من كل هذا التاريخ الأسود لإسرائيل الذي يتذكره كل سعودي، لا يمانع أنور عشقي أن يجتمع بمسئول إسرائيلي (دور قولد) الذي ألف كتاب في العام ٢٠٠٣م بعنوان “مملكة الكراهية: كيف تدعم السعودية الإرهاب الكوني الجديد”.

أراد الأستاذ أسامة نُقلي، مدير الدائرة الإعلامية بالخارجية السعودية، أن يكحلها فأعماها، عندما أطلق تغريدة بائسة عند الساعة (٣:٠٦) فجر اليوم السبت، من تايسون كورنر، بواشنطن في العاصمة الأمريكية، تعليقاً على زيارة عشقي لإسرائيل، تقول التغريدة: “البيانات لا تسقط بالتقادم، تظل موقفاً مسجلاً ومحسوباً”. وكأنه يشير إلى بيان الخارجية الذي أشرنا إليه آنفاً بتاريخ ٢٠ ديسمبر ٢٠١٥م بخصوص أراء الخاشقجي، وعبيد، وعشقي. ونقول للصديق أسامة نقلي مقولة الأستاذ سلمان الأنصاري “مَاهكَذَا تورد الإبل”. فأولاً: الرأي الذي يشير إليه البيان قول، أما الزيارة ففعل؛ ثانياً، التكرار يعني الإصرار في القول أو الفعل؛ ثالثاً، البيان المشار إليه لم ينكر الرأي، بل تبرأ من القائل؛ رابعاً، لو مثل هذا العمل تم مع أي من الخصوم السياسيين أو الأمنيين للسعودية الذين ذكرناهم آنفاً، هل ستكتفي الحكومة بالبراءة من صاحب الرأي أو الفعل، أو الإستجواب والمحاكمة وربما العقوبة؟ وخامساً، نقول لكل من لا يدرك العواقب السلبية لزيارة أنور عشقي لإسرائيل، مقولة عباس العقاد: “لا تكن جهولاً يملأ الأرض سؤالاً وجوابا”.

أخيراً، الخارجية السعودية خير من يعلم ويحسب ويقدّر حساسية الموقف من ومع إسرائيل، أو هكذا يجب. ولا نظن أن مسئولاً في الخارجية، أو حتى الوزير نفسه، يجرؤ على فتح قنوات دبلوماسية أو سياسية، مباشرة أو غير مباشرة، خفية أو معلنة، مع إسرائيل في ظل التعقيدات الإستراتيجية والسياسية الحالية: النزاع في اليمن؛ والموقف من سوريا؛ والخصومة مع إيران؛ والحرب على الإرهاب، مع تطرف محلي، وإحتقان إقليمي، وإرتباك وتغيّر متسارع دولياً. ختاماً، نحن بإنتظار إجابة رسمية من الوزير عادل الجبير على سؤال بعثنا به على حسابه في تويتر كالتالي: ماذا يفعل أنور عشقي في إسرائيل؟ فهي خطوة غير موفقة، ومغامرة محفوفة بالمخاطر، ونتمنى أن يأتي الجواب شفافاً وشافياً وكافياً للمجتمع السعودي، الذي طالب بعض أفراده بإعتقال أنور عشقي والوفد المرافق له والتحقيق معه ومعهم في تصرفاتهم المحرجة للحكومة والمستفزة للمجتمع السعودي، ومعاقبتهم بمثل ما عوقب به من يتعاطف مع الإرهاب أو داعش أو يذهب إليهم. حفظ الله الوطن.

كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات