كتاب 11

11:15 صباحًا EET

الملك فيصل وزوال إسرائيل

سُئل جلالة الملك فيصل: ماذا تتمنى أن يتغير في العالم؟ أجاب، رحمه الله: “أول كل شيء، زوال إسرائيل”. كان جواب الملك السريع والحاسم والقاطع، الأكثر تداولاً في وسائل التواصل الإجتماعي كتعبير مباشر يوضح مشاعر الرأي العام السعودي، تجاه الصدمة التي تركتها زيارة أنور عشقي لإسرائيل. من ناحية أخرى، لم تصدر الخارجية السعودية بياناً رسمياً حتى الآن حول علاقتها أو علمها بالزيارة .. وسننتظر. وزارة الداخلية السعودية، أيضاً، لم نسمع لها رد فعل تجاه مواطن سعودي أو أكثر، تجاوزوا الأنظمة وزاروا دولاً ممنوع السفر إليها مثل: “إيران، والعراق، واليمن، وسوريا، والأراضي المحتلة “إسرائيل”، وتايلند”، كما ماورد في تغريدة جوابية من الحساب الرسمي للجوازات السعودية. صمت الوزارات المعنية يزيد من حمى التكهنات، خصوصاً، وأن الرد الذي جاء على لسان أنور عشقي ونقلته بعض الصحف، كان ساذجاً ومستهتراً بالمواطن السعودي والخليجي، أو كما يقول البعض: “عذر أقبح من ذنب”..

يقول عشقي أنه لم يذهب إلى “إسرائيل”، بل ذهب إلى مدينة “رام الله”، مستنداً إلى فذلكة التعريف في ماهو فلسطيني وما هو إسرائيلي. يقول عشقي: أن الدعوة جاءته من “الحكومة الفلسطينية”. حسناً، نسأل هنا: ماهو سبب الزيارة، أيها الجنرال المتقاعد؟ يجيب الخبير الإستراتيجي أنور عشقي: (١) الإجتماع بأسر الشهداء؛ (٢) حضور زفاف إبن مروان البرغوثي؛ (٣) الصلاة بالمسلمين المغرب في القدس. ينفي عشقي لقائه بالصحافة الإسرائيلية ويقول أنه قديم، لكن أنور يستطرد في وصف الزيارة بأنها: “تشد أزر الصديق، وترد كيد العدو، وتستجلب رضا الرب”. أجوبة أنور عشقي تعطي دلالة واضحة فاضحة بمدى سذاجة الفكر الذي حبك العذر لتبرير الزيارة. لم يذكر أنور عشقي أنه إلتقى مسئولين اسرائيليين منهم “قولد” ثعلب الخارجية الإسرائيلية، ولم يذكر عشقي أنه زار الكنيست الإسرائيلي. وهنا نتساءل بكل صدق: هل ظن أنور عشقي أو غيره، أن مثل هذا التبرير سينطلي على الرأي العام السعودي أو الخليجي أو العربي؟ ثانياً، هل أجوبة أنور عشقي إمعاناً منه في الإستهتار بالرأي العام السعودي؟ ثالثاً، ألا يعطي هذا الجواب مؤشراً على نوعية الفكر الضحل والساذج الذي من المفترض أن تواجه به السعودية الفكر الثعلبي الإسرائيلي؟

صمت الخارجية والداخلية السعودية يحيلنا إلى إستحضار فرضيات مبنية على تكهنات: الفرضية الأولى، أن الهدف من الزيارة ونشرها عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية لتظهر كتسريب أمام الرأي العام السعودي كان متعمداً كتمهيد لخطوات قادمة سبق أن سربتها الصحافة العالمية والإسرائيلية؛ الفرضية الثانية، أن الزيارة التي قام بها أنور عشقي، تحديداً، هي رسالة لإيران تحتمل أبعاد مختلفة في ضوء البروبغاندا الإعلامية والصراع بين الدولتين؛ الفرضية الثالثة، أن الزيارة في جانبها المعلن هي موجهة للرأي العام الإسرائيلي قد يستفيد منها رئيس الوزراء الحالي في حصد أكبر عدد من المؤيدين لإعلان قبول مبادرة السلام العربية؛ الفرضية الرابعة: أن الزيارة هي دور سعودي في دعم المبادرة الفرنسية حول مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية. وبصرف النظر عن صحة أي من الفرضيات، نقول جملتين بإختصار: (١) مَاهكَذَا تورد الإبل يا وزارة الخارجية؛ (٢) إلعب غيرها يا أنور عشقي.

نحن نجزم بطيب النوايا وصدق الأهداف السعودية فيما يخص القضية الفلسطينية، ولكن، لطالما منع أو خرب أو دمر سوء التنفيذ، النوايا الطيبة والأهداف الصادقة. خصوصاً، مع عدو مثل إسرائيل أثبت على مدى أكثر من (٦٠) عاماً سوء السريرة، وخبث الأهداف، والإستغلال الأسوأ لسذاجة الحكومات العربية. ولذا نجد الإنفصام الكبير بين الحكومات وشعوبها فيما يخص العلاقة مع إسرائيل. ولنا في مصر مثالاً حي، فبعد أربعة عقود، تقريباً، من اتفاقية كامب ديڤيد لا تزال إسرائيل العدو الوحيد في وجدان المواطن في الشارع المصري. يقول أينشتاين: “الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وإنتظار نتائج مختلفة ..!!” فإسرائيل تحاول الإستفادة من أربعة قضايا: (١) سطوة الإرهاب متمثلاً في تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”؛ (٢) الشعور الخليجي الطاغي بالخوف من التمدد الإيراني؛ (٣) تفكك النظام العربي وهشاشة الجامعة العربية؛ (٤) ضعف الحكام العرب وخوفهم من زوال السلطة.

أخيراً، ستكشف الأيام ماذا يجري، ولماذا زار أنور عشقي إسرائيل، وبأمر من، وماذا تم في المحادثات التي أجراها مع “قولد” ومسئولين أخرين، إن عاجلاً أو آجلاً، سواء أصدرت الخارجية السعودية بياناً أم لم تصدر، وسواء قبضت سلطات الداخلية على الذين خالفوا الأنظمة وحاكمتهم وعاقبتهم، أم لم تفعل. الأكيد، أن إسرائيل تعرف جيداً أنها إلى زوال، لكنها ستعمل قبل ذلك على زوال كل الأنظمة العربية الفاعلة بوسائل شتى، على مبدأ “عليّ وعلى أعدائي”. فجواب الملك فيصل رحمه الله، الذي جاء سريعاً وحاسماً وقاطعاً، لم يكن فذلكة فكرية، أو تنظير سياسي،  كما لم يأتِ من فراغ، بل معرفة أكيدة بإن إسرائيل سبب لكل مصيبة حلت أو ستحل بالعرب. ختاماً، كانت زيارة أنور عشقي والوفد المرافق له خطأ، من الشخص الخطأ، في التوقيت الخطأ. فالزيارة بكل إختصار كانت: إستدراج وإستغلال وإستهتار. هنا على الخارجية السعودية، حتى وإن تأخر إصدار البيان، أن تسارع إلى السيطرة على الضرر Damage Control، فعظيم النار من مستصغر الشرر. رحم الله الملك فيصل، وحفظ الله الوطن.

كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات