كتاب 11

12:34 مساءً EET

أمريكا وإسقاط الحكم في السعودية

عملت الولايات المتحدة على إسقاط العديد من الأنظمة في دول العالم الثالث بوسائل شتى، كما إجتهدت الإستخبارات الأمريكية وأذرعتها في العالم على توجيه مسار الرأي العام والإنتخابات في دول العالمين الأول والثاني، خدمة للمصالح الأمريكية التي لا تقف عند حد كقوة عظمى. أصابع الإتهام التي أشارت إلى ضلوع أمريكا في محاولة الإنقلاب الفاشلة في تركيا، لم تتحرك من فراغ، وليس أمر مستغرب على سياسة أمريكا للهيمنة على مناطق إستراتيجية وحيوية في معظم أنحاء العالم، وتحديداً الشرق الأوسط الضعيف والهش. إحتلال العراق في العام ٢٠٠٣م كان مقدمة لسلسلة من تغيير جذري لأنظمة الحكم في الشرق الأوسط يشمل دول كبرى مثل: مصر وسوريا والسعودية.

جادلنا قبل (١٤) عاماً، وتحديداً في ١٤ أكتوبر ٢٠٠٢م، في مقال نشرته صحيفة الشرق الأوسط بعنوان “هل يصلح بوش وبلير إتفاق سايكس – بيكو أم يفسداه”، بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر (الحقيقية أو المفتعلة) هي مقدمة لتغيير جذري لإستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تهدف إلى ثلاثة قضايا: (١) نقل مركز القوة بإتجاه الشرق؛ (٢) تغيير جذري للأنظمة السياسية الفاعلة في العراق وسوريا ومصر والسعودية لتكون أكثر ليبرالية تجاه المصالح الأمريكية وأكثر قمعاً للمتشددين القوميين والإسلاميين؛ (٣) حل المعضلة الأمنية الإسرائيلية بعدد من الترتيبات في النواحي السياسية، والعسكرية، والإقتصادية، والديموغرافية. (العدد ٨٧٢١، الشرق الأوسط) كل ما توقعناه قبل (١٢) عاماً جرى ويجري العمل عليه بدأب.

جادلنا قبل عامين، أيضاً، وتحديداً في ٢ يونيو ٢٠١٤م، في مقال نشرته صحيفة الحياة بعنوان “السعودية ومثلث الدول الفاشلة والخطة B”، بأن “لكل قوة سياسية مركز ومحيط، ومن أجل الوصول إلى المركز يستلزم العبث بالمحيط، لإحداث ارتباك وخلل في توازن المركز. هذا ما تهدف إليه الخطة (الأمريكية) B في إستحداث وخلق دول فاشلة تحيط بمركز القوة لخلخلته والإطاحة به”. ولو نظرنا إلى مايحدث في مثلث: سوريا، ليبيا، واليمن فإننا نجادل بأن المستهدف هو السعودية. من ناحية أخرى حذرنا من الإستراتيجية الأمريكية للإرهاب بتاريخ ٢٢ سبتمبر ٢٠١٤م في مقال نشرته صحيفة الحياة بعنوان “إحذروا إستراتيجية أوباما” قلنا فيها: المؤكد أن إستراتيجية أوباما ستحيل الشرق الأوسط إلى فوضى شاملة وحروب متفرقة تمتد إلى تقويض بعض الأنظمة المتماسكة بعد فوضى “الربيع العربي”.

عملت الولايات المتحدة جاهدة على تنفيذ إستراتيجيتها العظمى التي تخدم مصالحها الكونية، والتي هي بالتأكيد أكبر وأعمق وأعقد من الصداقات والتحالفات المؤقتة. وتهدف الإستراتيجية العظمى لأمريكا إلى تغيير جذري للأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، مع تعديل في خرائط المنطقة بتقسيم الدول العتيقة التي ولدت بعيد الحرب العالمية الأولى، أي قبل (١٠٠) عام، ويساعدها في ذلك إسرائيل التي تشكل رأس حربة في هذا المخطط الأمريكي. إذ تشعر أمريكا أن هذه الأنظمة العتيقة قد إستنفدت المراد منها، وباتت عبئا عليها، وعلى النظام الدولي. كما أن تطور المجتمع الدولي نحو الإهتمام بالأقليات والعرقيات المهمشة، مع فشل واضح للدول في إدارة مجتمعاتها، وعجز فاضح للحكومات المركزية في إدارة الأطراف، ساعد كثيراً على تأصيل فكرة تقسيم الدول ذات المساحات الجغرافية الكبيرة.

أخيراً، إسقاط الحكم في السعودية وتقسيمها أمر وارد في الذهنية الأمريكية وفي إستراتيجيتها العظمى، وقد سبق أن جاء تلميح يشبه التصريح على لسان العديد من الخبراء. إضافة إلى تاريخ أمريكا في تغيير الأنظمة، وبالقرائن والشواهد التي ذكرناها آنفاً، والتي بدأت في العراق مروراً بسوريا ومصر وليبيا واليمن وتونس، وداعش وأخواتها، ومسرحية الإرهاب، وبدليل ما يحدث اليوم من حراك سياسي في المنطقة، ولن تكون محاولة الإنقلاب في تركيا هي أخر فصول المسلسل الأمريكي. هنا تتبقى أسئلة كبرى ومعقدة: كيف ستُسقط أمريكا نظام الحكم في السعودية؟ ومتى؟ وماهو المخرج والحل؟ الإجابة بالطبع أكثر وأكبر تعقيداً. فربما، نقول ربما، نتناول ذلك في مقالات قادمة. ختاماً، يحكي التاريخ أن معظم الدول التي سقطت، كان حكامها يستبعدون السقوط، ويظنون أنهم قادرون عليها، وأن ما جرى على غيرهم لن يندرج عليهم. هنا نقول أن “السعيد من وُعظ بغيره”. حفظ الله الوطن.

كاتب، ومحلل إستراتيجي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات