كتاب 11

11:10 صباحًا EET

إيـران والسعوديـة بين الشيطان والرحمن

وصلت الخصومة السياسية بين السعودية وإيران، إعلامياً على الأقل، درجة تتطلب مراجعة وإعادة نظر لكي تحقق السعودية الغاية المنشودة من هذه الخصومة وتحقيق أفضل المنافع أو الخروج بالحد الأدنى من الخسائر. وضع إيران السبب خلف كل مشاكل المنطقة في اليمن، والبحرين، والكويت، والعراق، وسوريا، ولبنان، ومصر، وأفريقيا، هو إرهاق للسياسة، وتبديد للجهد من غير نتائج إيجابية. كما أنه دليل على سذاجة الخطاب السياسي والدبلوماسي والإعلامي من الطرفين. هذا الخطاب أشبه ما يكون بإتهام “الشيطان” بكل مصيبة تجري على الإنسان، ولعنه وشتمة وتصويره بأبشع الصور. لكن حقيقة الأمر أن ذلك زاد من وهم قوة كيد الشيطان، مع أن الحقيقة عكس ذلك، بدليل قول الحق سبحانه: “إن كيد الشيطان كان ضعيفا”. ولو تخلص الإنسان من ظلمه وجهله، وسلك طريق الرحمن لإقترب أكثر من الحق وإبتعد أكبر عن الباطل.

يمكن لنا في السعودية أن نشتم إيران ونلعنها ثلاث أو خمس مرات يومياً، لكن يتحتم علينا سؤال أنفسنا: ماهي الفائدة؟ ألم نشتم ونلعن إسرائيل أكثر من (٧٠) عاماً، في صلواتنا وركوعنا وسجودنا وعلى المنابر وفي المناهج الدراسية، ثم ماذا؟ إزدادت إسرائيل صلابة وتصلباً. فقد سوغت العداوة مع إسرائيل، أو إستعدائها إلى أربعة نتائج: (١) تحوّل معظم الأنظمة العربية إلى أنظمة قمعية تتخذ من منهج “لا صوت يعلو على صوت المعركة” وسيلة لديمومتها وبقائها في السلطة؛ (٢) إنقسام العرب الأيديولوجي بين المعسكرات والتحالفات الدولية وما تبعه من تخوين؛ (٣) مشاريع هدر المال الوطني لتكديس الأسلحة والإنصراف عن التنمية الحقيقية؛ (٤) تعميق التخلف والكراهية والإقصاء والتطرف والعنصرية والطائفية. واليوم يعود العرب إلى إسرائيل شبه صاغرين.

رب قائل يقول: أن لدى إيران مشروع له صبغة خارجية توسعية للهيمنة: فارسي أو صفوي أو مجوسي أو طائفي شيعي. حسناً فليكن. وهل هناك دولة في العالم ليس لها مشروع خارجي بصرف النظر عن اسبابه ودوافعه وأيديولوجيته وأهدافه سلبية كانت أو إيجابية؟ هذه الفرضية تقودنا إلى عدد من الأسئلة: (١) هل تستطيع إيران مد نفوذها أو تنفيذ مشروعها مالم تجد لها حاضنات شعبية في داخل الدول التي يقال أن إيران تريد الهيمنة عليها؟ (٢) هل إنجذاب المكونات الشعبية إلى إيران في أياً من الدول العربية حباً في إيران أم كرهاً في نهج وأسلوب الحكومات العربية عقائدياً، أو سياسياً، أو إقتصادياً، أو تنموياً؟ (٣) هل الإتجاه الإيراني للخارج يعني أزمة في الداخل يراد لفت الأنظار عنها بإستفزاز الدول الأخرى وإستجلاب عداوتها؟ (٤) هل إستعداء الدول المُستفزة من إيران يوقف التمدد الإيراني في الخارج، أم يُقوِّي العلاقة بين الداخل؟
السعودية وإيران دول مستقلة ذات سيادة، مثلها مثل كل الدول في العالم، لديها: (١) الكيد، والمكر السياسي، والرغبة في توسيع دائرة النفوذ، ودعم الأقليات، والظهور أمام الشعب والعالم بأكبر قدر من الملائكية، ونصرة الحق، وإغاثة الملهوف، وتعظيم المنفعة، وتقليل الخسائر، وحماية “المصالح” القومية؛ (٢) مصطلح “المصالح” القومية، بالمناسبة، هو كلمة السر الغامضة في العلاقات الدولية، التي تستخدمه الدول في تبرير مشاريعها الخارجية، كما تفعل أمريكا تماماً؛ (٣) السذاجة التي تحاول بعض الحكومات تسويقها لشعوبها هي الإيهام بوجود العنصر الأخلاقي في السياسة الخارجية، والحقيقة المُرة التي يعرض عنها الجميع، هو أن لا أخلاق مع السياسة، وخصوصاً الخارجية. فالسياسة حرب، والحرب خدعة، ومع الخداع تنعدم الأخلاق؛ (٤) محاولة الحكومة، أي حكومة، إيهام شعبها بملائكية سياسة الدولة الخارجية هي كذبة سياسية ناجحة، كما أنها أمر يرهق الحكومات على المدى المتوسط والطويل؛ (٥) معظم التذرع بالخارج في العلاقات الدولية هو تبرير أو تغطية على أمر وقضايا داخلية.

تملك السعودية مشروع وطني يعني بالداخل والخارج، لا تملكه إيران وهذه هي الميزة التنافسية للسعودية مع جارتها وخصمها إيران. رؤيـة 2030 التي تعني بنقل السعودية إقتصادياً وتنموياً وحضارياً، هو مشروع وطني سعودي يتفوق على أي مشاريع خارجية وهمية. رؤيـة 2030 كفيلة وحدها، إذا ماتم التركيز عليها، بلجم إيران وغير إيران لأنها تهدف إلى تطوير الإنسان وصناعة المكان وإستغلال مكامن القوة. فهي (١) تنهض بالداخل بإعادة هيكلة للمفاهيم في الحكومة والمجتمع وإبراز مكامن القوة والإستفادة منها؛ (٢) تقدم السعودية الجديدة للخارج بشكل حضاري يتسق والإتجاه العالمي نحو التنمية؛ (٣) تقطع، إذا ماتم التركيز عليها فقط، كل الطرق التي قد تتخذها إيران كذرائع بإستعدائها من الخارج لصرف النظر عن مشاكلها وتناقضاتها المحلية.

إعادة السعودية لصياغة خطابها السياسي والدبلوماسي والإعلامي أمر مطلوب. فإذا كانت السعودية لا تريد التفوق على ذاتها وإجراء مصالحة مع إيران، وأصرت على ترقية إيران إلى مستوى العدو، فلا بأس، ولتتخذ السعودية إذاً من الأية الكريمة “إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” منهج وأسلوب في السياسة الخارجية. بهذا المنهج الإلهي الرحماني ستتمكن السعودية أن تنتصر على إيران، وستضطر إيران في ظل عدم وجود إستعداء خارجي، أن تلتفت للداخل الإيراني الممتلئ بمشاكل داخلية لا تحصى ولا تعد، تراكمت على مدى (٣٧) عاماً. عندها ستتخلى إيران كرهاً، لا طوعاً، عن الإهتمام بأي أمر خارجي، كما تخلت عن النووي. من ناحية أخرى، لا يوجد منطق سياسي أو إستراتيجي حول نظرية إستهداف إيران للسعودية، حتى ولو أصبحت إيران تدير عواصم اليمن، والبحرين، والكويت، والعراق، وسوريا، ولبنان، ومصر، وكل أفريقيا. إيران تعرف ذلك حق المعرفة، والعالم يدرك ذلك، والسعودية أيضاً.

أخيراً، تصوير الشيطان أو إيران على أنهما السبب خلف كل مصائب الفرد والمجتمع والدولة في السعودية، ولعنهما وشتمهما صباح مساء، لن يؤدي إلى نتيجة، وفيه هدر للجهد والوقت والمال، ووهم كبير، وسذاجة أكبر، ويعظّم بالزور والبهتان من كيد الشيطان وقوة إيران. في المقابل، الإلتفات إلى القوة الحقيقية في رؤيّــة 2030 والعمل على تحقيقها هو المخرج الآمن، والطريق إلى التنمية والرفعة، والسبيل إلى الرحمن. ختاماً، لنتفكر كثيراً في مقولة لطالما رددناها: ” أن توقد شمعة أفضل ألف مرة من أن تلعن الظلام”. حفظ الله الوطن.

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات