كتاب 11

03:20 مساءً EET

من المسؤول؟

«المستر درويش؟».. صوت أنثوي على تليفوني المحمول «هل……. في الخامسة عشرة هو ابنك؟» ثم أسرعت بطمأنتي «لا تقلق يا سيدي، أنا موظفة التذاكر في محطة السكة الحديد في…….، ولد دون سن الرشد وحده يريد تذكرة للسفر إلى لندن.. أريد الاطمئنان أنه بالفعل ابنك.. أرجو المعذرة على إزعاجك يا سيدي.. ها هو معك على التليفون». كررت الموظفة الاعتذار على الإزعاج، مضيفة أن موسم الإجازات يشهد اندفاع المراهقين من الريف الإنجليزي إلى مغامرات في العاصمة.
شكرت السيدة على إحساسها العالي بالمسؤولية. أجريت بحثي في لوائح شركة القطارات هذه فاكتشفت أنه لا توجد إرشادات للموظفين سوى أن من حق المسؤول عن القطار رفض السماح بسفر القاصر بمفرده. والكلام ينطبق على الولد المذكور بعد إنهاء رحلة بحرية رتبتها مدرسته.
موظفة التذاكر (وظيفة متواضعة بالحد الأدنى للأجور) كان يمكنها أن تتصرف في حدود مسؤوليات الوظيفة ولا تكلف نفسها عناء عمل إضافي بلا مكافأة، لكنها تطوعت للتأكد من أن الولد في أمان (خصصت له مقعدا في عربة البوفيه حيث يوجد اثنان من العاملين طلبت من مراقب الرصيف أن ينبههما إلى سفر الولد بمفرده). لم تتهرب من المسؤولية، بل زودت الأب باسمها الكامل ووظيفتها ورقم تليفونها.
المسؤولية هنا مبادرة فردية خارج بيروقراطية «مهام ومواصفات الوظيفة». وأتخيل في بلد كمصر مثلاً، إدارة المسؤول ظهره «أنا بتصرف في حدود اللوائح ومسؤولية الوظيفة فقط.. يا محترم».
قبلها وعشية عيد الفصح فوجئت بمكالمة قبل الغروب: «المستر درويش؟ أنا الكونستابل………… من بوليس المواصلات قطاع السكة الحديدية.. أرجو ألا تقلق.. ابنك…. في الثانية عشرة؟.. هو بخير.. هلا وصفته لنا، وذكرت عنوان عملك وسكنك؟».
الولد في مدرسة داخلية في مقاطعة سمرسيت، بدأ إجازة عيد الفصح، ولحالة صحية طارئة لم تستطع أمه أخذه من المدرسة لمحطة القطار فأوكلت المهمة لفتاة في التاسعة عشرة (ليست على قدر كبير من الذكاء) فتركت الولد على رصيف محطة القطار ومعه ثلاث حقائب.
قلق مراقب الرصيف على الولد فاستجوبه. وبدلاً من الاتصال بمسؤولي الشؤون الاجتماعية استدعى بوليس المواصلات. اتفق الاثنان مع ملاحظ القطار وناظر المحطة على وضع الصبي في عربة الدرجة الأولى في أول مقعد (آخر باب يفتح فقط لعربة البضائع حيث يوجد حارس) في مربع وطاولة، به سيدة في منتصف العمر وابنتها مسافرتان إلى لندن وأعطيا السيدة والولد رقم تليفون بوليس السكة الحديدية.
قال لي الكونستابل إن تقديره أن الولد ذكي وناضج لكنه قلق عليه من ثلاث حقائب ورحلة أكثر من ثلاث ساعات ونصف، سيصل القطار إلى لندن في الظلام، وأراد الاطمئنان أني سأكون في انتظاره. شكرته وسألته: لمن أرسل فارق ثمن التذكرة للدرجة الأولى؟
رفض الضابط قبول المبلغ، فقلت: سأتبرع بالمبلغ للجمعية الخيرية للمقعدين من رجال البوليس.
ستة مسؤولين من ثلاث مؤسسات مختلفة (شركة القطار، مؤسسة إدارة المحطات، والبوليس) تصرفوا تلقائيا مع موقف لم تذكره اللوائح البيروقراطية ووجدوا حلا في دقائق بالإمكانيات المتاحة. لم يهز أي منهم كتفيه قائلا: «وأنا مالي؟ تحملني مسؤولية ليه؟….. هو أنا شغلتي كمساري قطار ولا دادة أولاد؟» ولا يلومه أحد فلم يخرق لوائح.
باعتبارهم أفرادا لا موظفين قدروا الضرر النفسي الذي يمكن أن يصيب الولد وقلق الأسرة لو استسهلوا الأمر وأحالوا المشكلة للشؤون الاجتماعية المحلية، فهي مسؤوليتهم حسب القوانين.
أذكر عام 1949 أني استقللت القطار صبيا بصحبة جدي في محطة الإسكندرية، فنبه جدي الحمال الذي حمل الحقائب أن إحدي الأباجورات (مصباح من ضمن أربعة أزواج مصابيح بجوار المرايات) في كابينة العربة التي جلسنا بها معطلة.
المحطة التالية، سيدي جابر، حيث يقف القطار نحو خمس دقائق قبل أن ينطلق للقاهرة، كان ناظر المحطة في بذلة أنيقة، وكأنه أنور وجدي في طريقه للقاء ليلى مراد، بياقة بيضاء منشاة وكرافات بشعار مصلحة السكة الحديدية وطربوش فخم وشارب مبروم بالشمع موضة الملك فؤاد التي قلدها ضباط البوليس والجيش والأفندية، منتظرا ومعه مسؤول الصيانة. وبينما استبدل الأخير المصباح (واحد معطل بينما يعمل سبعة أخرى) كرر ناظر المحطة الاعتذار عن الإهمال في إضاءة القطار لجدي ولراكب آخر بأناقة العصر نفسها الطربوش والبذلة الثلاث قطع والمنشة والعصا، وللهانم زوجته بأناقة وجمال تنافس نجمة هوليوود العصر ريتا هيوارث.
فهمت من حديث جدي والبيه الآخر أن ……. أفندي ناظر محطة سيدي جابر قام بمبادرة فردية إثر مكالمة من محطة إسكندرية، فالمعتاد نقلنا لديوان آخر إذا اشتكينا وانتظار الصيانة في آخر محطة.
قال جدي: «تعلم سرعة التصرف البديهي لا انتظار التعليمات»، وردد بيت الشعر:
قليل المال تصلحه فيبقى
ولا يبقى الكثير مع الفساد
كانت أمي تعنفنا إذا ألقينا ورقة لف الحلوى في الشارع وتأمرنا بالتقاطها ووضعها في سلة المهملات في حرصها على نظافة الحي كله. أمي ونساء الفترة الذهبية يتواجدن اليوم في صورة جاراتي اللندنيات المسنات (أصغرهن في الثمانين) لا يكتفين بكنس الطرقة المؤدية للباب بل الرصيف أمام مدخل حديقة الدار صباحا وقبل الغروب رغم وجود كناس عمومي.
آخر المبادرات الفردية كانت مصنعا للأدوات الزراعية في إمارة ويلز قرر أصحابه إغلاقه خشية الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. كوّن العاملون جمعية، ورفضوا إغراءات الاتحاد العام للعمال بالخروج في مظاهرات. لم يقدموا طلبات إعانة البطالة إلى مكتب الشؤون الاجتماعية (وهي حق لكل مواطن). كان يمكن لأكثرهم دفع سلفة مساكنهم وتملكها بمكافآت التقاعد، لكنهم وضعوا مكافآتهم جميعا في صندوق مشترك. انتخبوا مجلس إدارة قابل مدير البنك وأقنعه أن إغلاق المصنع سيفلس المدينة الصغيرة ويغلق فرع البنك فمنحهم المدير قرضا للاستمرار. وأداروا المصنع بالمشاركة وانهالت عليهم طلبات التصدير مع فرصة تخفيض الإسترليني وتقليل تكلفة الإنتاج.
الدرس هنا أن مبادرات وزارات التخطيط ومشاريع الخطط الخمسية لن تحقق إنجازات اقتصادية أو تحافظ على الموارد ووسائل الإنتاج وتحسن الخدمات بقدر ما تساهم المبادرات الفردية والتصرف البديهي باتخاذ الإجراء الأفضل بالإمكانيات المتاحة في إثراء المجتمع ورفع المستوى الاقتصادي.
ثروة المجمتع هي قدرة أفراده على التفكير بطريقة «ماذا أفعل الآن لإصلاح هذه الموقف؟» بدلا من البحث عن سبل الضغط على «المسؤولين» لتلبية مطالب بحل المشكلة؛ فأي منا هو هذا «المسؤول» عن حل المشكلة.. أية مشكلة في مكان ما، في لحظة ما، في موقف ما.

التعليقات