كتاب 11

03:37 مساءً EET

اغتيال «جمعة» و«الحساسية ضد الإرهاب»

لغة الاغتيالات أطلت برأسها من جديد في مصر، فيوم الجمعة الماضي أطلقت مجموعة ملثمين النار على مفتي مصر السابق الشيخ علي جمعة وهو متجه لصلاة الجمعة، وفشلوا، ونجا المفتي وخطب بالناس الجمعة تحديًا للإرهاب بحسب تصريحاته.
أعلنت حركة تسمي نفسها «سواعد مصر – حسم» مسؤوليتها عن هذه المحاولة، وهي حركة جديدة من حيث تسميتها ولم يسبق لها أي وجود إلا منذ ثلاثة أسابيع حين أعلنت تبنيها لقتل ضابط شرطة برتبة رائد في بلدة طامية بمحافظة الفيوم.
استنكرت كل الجهات السياسية والدينية في مصر هذا الحادث الإرهابي البشع، وسيتوالى الاستنكار، وسيتكشف مزيد من التفاصيل، وقد اتهم جمعة جماعة الإخوان المسلمين بصراحةٍ بأنهم وراء محاولة الاغتيال، وقد لمحت لذلك الكثير من وسائل الإعلام، والعداء بين جمعة والإخوان المسلمين قديم متجدد ومعروف.
قبل عامٍ تقريبًا تعرض النائب العام المصري هشام بركات للاغتيال في هجومٍ بسيارةٍ مفخخة، وقبله بعامين قام الشعب المصري والجيش المصري بإسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين، وكان جمعة من أشد أنصار إسقاط حكم الإخوان، وقد كان رأي كاتب هذه السطور حينها (منتصف 2013) أن الجماعة ستتجه ثلاثة اتجاهات رئيسية: الحرس القديم، المؤدلج الصارم والتكفيري تلاميذ سيد قطب. والعناصر المسلحة بالآيديولوجيا والتدريب، ورثة «التنظيم السري» المدربين على القتل والتفجير والاغتيال. والجيل الجديد الذي سيحاول الانعتاق من الجماعة.
جماعة الإخوان المسلمين لها تاريخ طويل مع الاغتيالات السياسية، منذ نشأتها نهاية العشرينات من القرن الماضي ومنذ مرشدها الأول حسن البنا وبنائه المحكم لما يعرف بـ«النظام الخاص» أو «التنظيم السري» والذي وضع على رأسه شابًا عشرينيًا متهورًا وميالاً للعنف وهو عبد الرحمن السندي.
كانت هذه خطوةً أولى في طريق الاغتيالات السياسية من منطلقٍ ديني منظمٍ في العصر الحديث بمصر والعالم العربي، وقد قام هذا «التنظيم السري» في الأربعينات باغتيال مسؤولين سياسيين رفيعي المستوى على رأسهم رئيسا وزراء، رئيس الوزراء علي ماهر ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي الذي اغتاله عضو الإخوان عبد المجيد حسن، كما اغتال قضاةً على رأسهم القاضي أحمد الخازندار، الذي اغتاله عضو جماعة الإخوان سعيد زينهم، وقام «التنظيم السري» باغتيال أحد أعضائه وهو سيد فايز، الذي اغتاله عبد الرحمن السندي، كما قام بعدد من التفجيرات المعروفة، وهذا التنظيم الإخواني هو الأب الشرعي لكل تنظيمات الإرهاب المعاصرة من «القاعدة» إلى «داعش» إلى «جبهة النصرة» وصولاً لتنظيمات الإرهاب في سيناء وتنظيم «حسم»، الذي أعلن مسؤوليته عن محاولة اغتيال المفتي السابق، هذا على مستوى التنظيمات، أما الخطاب والآيديولوجيا فلها تفاصيل طويلة.
وللتذكير فقط، فإن الرمز الإخواني المعروف يوسف القرضاوي الذي يفتي بجواز «العمليات الانتحارية»، واشترط أن تقوم بها «الجماعة» لا «الأفراد» فإنه كان قد بارك قديمًا اغتيال عبد المجيد حسن للنقراشي، وكتب شعرًا في الثناء عليه، ونشره قبل سنواتٍ قليلةٍ في كتابه «ابن القرية والكتاب» يرسم فيه منهجًا للجماعة وأتباعها قال فيه: «عبد المجيد تحية وسلام / أبشر، فإنك للشباب إمام. سمّمت كلبًا، جاء كلبٌ بعده / ولكل كلبٍ عندنا سمّام». وعجز البيت الأخير منهج في الاغتيال.
ولئن تبرأ بعض من جماعة الإخوان المسلمين من محاولة «حسم» اغتيال المفتي فلقد تبرأ حسن البنا من قبل من تنظيم أسسه وبناه على عينه واستخدمه لتصفية خصومه، وذلك حين ضاقت به السبل بعد اغتيال النقراشي باشا فكتب مقالته الشهيرة «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين» وقد كان مستغربًا أنه حتى في براءته من أتباعه وجنوده قام بتكفيرهم وإخراجهم من الإسلام.
كذلك فقد حاول التنظيم في الخمسينات وبعد انقلاب العسكر اغتيال جمال عبد الناصر في حادثة المنشية الشهيرة، وهو أمرٌ وثقه الكثير من الباحثين وهي قصة معروفةٌ وقد اعترف أحد المشاركين في تنفيذ المحاولة وهو الإخواني محمود عبد اللطيف بذلك بعدما هرم وشاخ على إحدى الفضائيات المصرية.
خطط سيد قطب في الستينات وبدعمٍ كاملٍ من مرشد الجماعة الثاني حسن الهضيبي لإحياء «التنظيم السري» أو نسخةٍ جديدةٍ منه، وكان لديه مشاريع للاغتيالات والتفجيرات والعمليات الإرهابية الواسعة، والتي نظّر لها قطب طويلاً في كتبه وفي آيديولوجته الإرهابية، وقد اعتقل، ولما أفرج عنه عاد لنفس الطريق، وهو من ورث عنه كثير من رموز جماعة الإخوان بعد ذلك ورموز الجماعات المتفرعة عنها فكر الاغتيالات وتنظيمات الاغتيالات.
رموز الجماعة المعاصرون هم تلاميذ قطب، من مهدي عاكف إلى محمد بديع إلى أمثالهما، وجماعات الإرهاب في السبعينات كجماعة التكفير والهجرة وجماعة الفنية العسكرية وجماعة الجهاد، كلهم تلاميذ سيد قطب ومنهج جماعة الإخوان المسلمين، وقد حظي بعضهم بدعمٍ ومباركةٍ من حسن الهضيبي نفسه آنذاك.
لقد اغتالت هذه الجماعات الرئيس المصري أنور السادات والشيخ محمد الذهبي والمثقف فرج فودة، وحاولت اغتيال الأديب العالمي الحائز جائزة نوبل نجيب محفوظ، وحاولت اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، وقد قتلت الكثير من المصريين الأبرياء مسلمين ومسيحيين، وقتلت السياح الأجانب واغتالت رجالات الأمن والشرطة.
إنها سلسلةٌ لا تنتهي من اغتيالات الغدر تلك التي بدأها حسن البنا ولن تنتهي للأسف مع المحاولة الفاشلة لاغتيال الشيخ جمعة. هذا مع التأكيد على أن هذا سياق مختصرٌ يقتصر على مصر فقط حرصًا على عدم التشعب والإطالة.
سيخرج مدافعون عن الجماعة، ومدافعون وإن بطرفٍ خفي عن الإرهابيين المجرمين الذي حاولوا القيام بالاغتيال، وهذا لا يحدث في هذه المحاولة الفاشلة فحسب، بل هو أمرٌ ثابتٌ لدى جماعات الإسلام السياسي ورموزها وتنظيماتها، فهم يجمعون التحريض على الاغتيالات مع التبرير لمرتكبيها، والتبرؤ منهم إن دعت الحاجة لاحقًا.
أخيرًا، فيمكن الاجتهاد في وضع مؤشرٍ لـ«الحساسية ضد الإرهاب» فالملاحظ أن هناك جماعات وأحزابًا وتيارات ورموزًا وأتباعًا ليست لديهم أي حساسية ضد الإرهاب فروعًا وأصولاً، أسماء وتنظيمات، خطابًا وآيديولوجيات، وهذا يتضح بعدة أبعادٍ منها – مثلاً – حين يركزون حملاتهم وخطابهم دائمًا تجاه نقطة أخرى غير الحدث الإرهابي، فإن حدث إرهاب في أميركا تحدثوا عن «مؤامرة» أميركا ضد المسلمين، وإن غيرت «جبهة النصرة» اسمها دافعوا عنها ورحبوا بها، وإن حدث إرهاب في فرنسا استحضروا «الاستعمار» والأمثلة كثيرة.

التعليقات