كتاب 11

12:57 مساءً EET

رؤيـة إستراتيجيـة: هل سيتم عـزل السعودية؟

تتجه روسيا إلى بناء منظومة جديدة تعتمد على الإقتصاد والأمن تتمثل في “الإتحاد الأوراسي” لمنافسة “الإتحاد الأمريكي”؛ و”الإتحاد الأوروبي”؛ و”الإتحاد الأفريقي”؛ و”الإتحاد اللاتيني”. خمسة إتحادات جيوسياسية تتنافس وتتشارك فيما بينها في السياسة والإقتصاد والأمن، وتعيد تعريف الخرائط الجغرافية والسياسية التي عرفها العالم قبل وخلال وبعد الحرب العظمى (العالمية الأولى) 1914-1918. فبعد قمة “باكو”، التي ضمت روسيا وأذربيجان وإيران، قبل أيام؛ وقمة “سانت بطرس بيرغ”، التي تلتها بيوم واحد، بين روسيا وتركيا؛ والقمة التي ستليها بين روسيا وتركيا وأذربيجان، تتضح غاية روسيا، إذا ما أخذنا بعين الإعتبار قمة “بيكاتيرينبرغ” التي ضمت الأربع دول صاحبة الأسرع نمو إقتصادي في العالم: البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا، تحت مسمى دول “البريكس” BRICS، وتضمنت الإعلان عن تأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية تم إطلاقه في العام 2009. هنا يبرز السؤال: أين تقع السعودية من هذه التكتلات والإتحادات؟ وهل ستشارك في أي منها، أم تعزل نفسها، أم سيتم عـزلها؟

يمكن لأي مهتم أو باحث، النظر إلى خريطة العالم فقط، ليكتشف أهمية وحجم وقوة “الإتحاد الأوراسي” الجديد وما يضمه من موارد بشرية وطبيعية وإقتصادية وعسكرية، وتتشكل حدوده الغربية من: روسيا وتركيا وسوريا ولبنان والعراق وإيران، وربما الدولة الكردية، كحاجز غربي للإتحاد الجديد، مما يعزل مبدئياً الأردن وإسرائيل وفلسطين والسعودية ودول الخليج واليمن، خارج منظومة “الإتحاد الأوراسي” لسببين: (1) بإعتبارها مناطق توتر ونزاع سياسي وعقائدي؛ (2) بإعتبارها دول محسوبة على الغرب أو تدور في فلك الولايات المتحدة. الأكيد، أن دول مثل أفغانستان وباكستان وغيرها في أواسط أسيا ستنضم ولو تدريجياً، كما أن من المرجح أن تنضم دول: عُمان والإمارات وقطر والكويت، وربما اليمن، لـ”الإتحاد الأوراسي” الجديد. الميزة التنافسية لهذا الإتحاد هو إعتماده على تطور الفرد وإزدهار والمجتمع، مما يجعل الإقتصاد هو الأساس ثم الأمن، بعكس النظرية الغربية التي تقوم على الأمن ثم الإقتصاد، مما أدى إلى عدم إستقرار الأنظمة؛ وتقسيم الدول؛ وأشعال الحروب؛  وتنامى الإرهاب؛ وإستنزاف موارد الشعوب؛ وتقهقر المجتمعات؛ وفقر الفرد.

تنظر روسيا للعالم والشرق الأوسط تحديداً، بمنظار مختلف من خلال تشكيل “الأتحاد الأوراسي”. فبينما يتجه تركيز السياسة الخارجية السعودية، على سبيل المثال، إلى بؤر التوتر في سوريا ولبنان والعراق واليمن على أنه صراع أيديولوجي مع إيران، ترى روسيا أن كل تلك الإهتمامات والحجج أصغر حجماً وأقل أهمية، وأن الخط الجيوسياسي الممتد من البحر الأسود شمالاً حتى بحر العرب جنوباً هو خط إستراتيجي يحد المصالح الروسية ولن تسمح بالتلاعب فيه. ذلك يفسر بعض الشيء الموقف الروسي من الأزمة في جورجيا، وجزيرة القرم، وسوريا، واليمن، وسر التقارب مع تركيا وإيران على وجه الخصوص. كما أن إيران تأمل أن تدخل “الإتحاد الأوراسي” مدعومة بمجموعة من الدول تدور في فلكها مثل: العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان وباكستان وبعض دول بحر قزوين، لتمنح إيران ثقلاً أكبر من الناحية الإستراتيجية والإقتصادية والأمنية للتوازن مع الهند والصين وروسيا الإتحادية.

سيكون موقف السعودية حرجاً للغاية على ضوء التشكلات والتكتلات العالمية الجديدة، وسيصار إلى عزلها إذا لم تبادر بإنتهاج سياسة تؤدي إلى إنضمامها مبكراً لـ”الإتحاد الأوراسي”. فمع فقدان الإتحاد الأوروبي لجناحه الغربي: بريطانيا، وجناحه الشرقي: تركيا، وإضطراب حدوده الجنوبية: في شمال أفريقيا، يصبح الإتحاد الأوروبي أكثر حساسية وهشاشة، فضلاً عن أزمات مالية وإقتصادية وحتى سياسية، ستلحق به. مع ترجيح عدد من الخبراء بخروج بعض دول الإتحاد مثل اليونان وإيطاليا وأسبانيا لتلحق ببريطانيا. الولايات المتحدة ودول “النافتا” كانت الخاسر الأكبر من خروج بريطانيا، وكذلك دول الكمنولث التي ربما تجد في “الإتحاد الأوراسي” مخرجاً وملاذ إقتصادي آمن. كما أن تأزم العلاقات بين تركيا والإتحاد الأوروبي حول الإنضمام، ومع الولايات المتحدة بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة، ربما يقطع الحبل السري مع تركيا متمثلاً في “حلف الناتو”، ويدفعها نحو “الإتحاد الأوراسي” بتسارع.

تتمتع السعودية بمكانة دولية مقبولة في حدها الأدنى، ولازال لها وزن معنوي وإقتصادي مؤثر وجاذب حتى الآن، بالرغم من التناقص المتسارع لأهمية النفط في ميزان التأثير السياسي أو الإقتصادي. لكن الصورة السعودية تعاني من ثلاث قضايا: (1) الشعور الدولي العام بأن السعودية تدور في فلك الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ماتراه السعودية غير دقيق، إذ تجادل بأنها تعاني من السياسة الأمريكية وتتضاد معها في عدد من القضايا؛ (2) إتهام السعودية بدعم “الإرهاب” وتمويل الإرهابيين، وهذا ماترفضه السعودية، وتدلل على أنها أكثر من عانى من الإرهابيين، وأول من طالب بمحاربة ومكافحة الإرهاب؛ (3) تصنيف السعودية كدولة أصولية “وهابية” تتبنى رؤية دينية متطرفة، والسعودية تنظر إلى أن ذلك تهويل ومبالغة ولا يعدو كونه كيد ومكر من بعض الدول وفي مقدمتها أمريكا. لا بأس، هذا سيضطر السعودية إلى أن تحسم أمرها وتوضح سياستها وتختار لنفسها ما يتماشى مع مصالحها الحقيقية، لتتطابق الصورة مع الحقيقة والواقع.

فقدت السعودية خلال العقود الماضية عناصر حاكمة في الإدارة الداخلية بسبب تلاشي ثلاث قوى: (1) سلطة القبيلة؛ (2) سلطة الدين؛ (3) سلطة المال. فقدان أو تلاشي تأثير هذه القوى الداخلية، من ناحية أولى؛ وتنامي الوعي والثقافة والتعليم في الأجيال الشابة الجديدة، من ناحية ثانية؛ وتسارع حركة التاريخ والتغيير والتقنية ومحاكاة الغير، من ناحية ثالثة؛ وما يدور في الساحة العالمية والدولية من تشكيلات وتكتلات، من ناحية رابعة، يفرض على السعودية أن تعيد النظر في سياستها الخارجية بناء على مراجعة حقيقية، وصادقة، وجادة، لعقيدتها السياسية ومنهجها الإستراتيجي الذي يجب أن يبدأ بتعريف واضح للهوية السعودية: من نحن؟ وماذا نريد؟ وذلك من خلال حوار وطني، ومجتمعي، وحر، وفعّال، وحقيقي، وجاد، وغير مؤدلج، ومنتج، يشارك فيه الجميع: ذكور وأناث؛ ومن كافة الأجيال؛ بمختلف الطوائف؛ وسائر أطياف المجتمع. عندها، وعندها فقط، يمكن تحديد الهوية السعودية الجديدة أو المستجدة، ليتم بعدها (1) إستبدال وتعويض القوى المفقودة في الداخل؛ (2) تحديد المصالح الوطنية وتقسيمها إلى مصالح إستراتيجية (عليا)؛ مصالح حساسة؛ مصالح حيوية؛ ومصالح هامشية. تنبع جميعها من الأسفل إلى الأعلى، وتنطلق جميعها من وإلى الفرد والمجتمع، وتعني بالمستقبل “الآتي”، وليس المستقبل الماضي أو المستقبل الحاضر؛ (3) إعادة ترتيب جدلية الإقتصاد والأمن إلى وضعها الصحيح، بحيث يتقدم الإقتصاد على الأمن، كما هو المبدأ الرباني: “أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.

ستنتعتق السعودية، بعد تعريف الهوية، وتعويض القوى المفقودة، وتحديد المصالح، وتصنيف ألأولويات، من كثير من الأحمال والأعباء التي أثقلت بها  كاهلها على مدى عقود. فالإسلام دين الله، تتشارك فيه كل أمم الأرض … والرسالة المحمدية جاءت رحمة للعالمين، وليست حكراً على السعودية … والبيت الحرام (الكعبة) يزيد السعودية شرفاً وتواضع وإنفتاح على جميع “الناس” … أما العرب والعروبة والقومية العربية، فهي شعارات عنصرية نشأت ضمن ظروف سياسية معينة، وليست مقتصرة على السعودية … فكل يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقر لهم بذاكا… أما السعودية “الدولة والمجتمع”، فهي للسعوديين وحدهم، وهو ما يجب أن يشكل محور المنهج السعودي، فقط. تستطيع السعودية أن تمكّن الفرد والمجتمع من إتخاذ مباديء الإسلام أساس للحياة والتعايش؛ وأن تعتمد الشريعة الإسلامية كأحد أو كل مصادر التشريع والقوانين للدولة والحكومة؛ ولها أن تتمثل ما تريده من القيّم العربية والإنسانية؛ ثم تمزجها جميعاً لكي تشكل هوية “الأمة السعودية” في دستور واضح يتغير بتغير الأحداث والزمان. فمقولة عبدالمطلب “أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه”، حكمة براغماتية من العام (571) وسبقت وليام جيمس (1878) ولم تفقد صلاحيتها، ويمكن للسعودية أن تتمثلها اليوم.

أخيراً، روسيا قادمة بقوة وتسارع لقيادة العالم وأعدت العدة لذلك، كما أن الولايات المتحدة ومعها معظم نظرياتها في السياسة والأمن والإقتصاد أخذة في الأفول، وكذلك الدول الكبرى القارة العجوز (أوروبا). أما أمريكا اللاتينية وأفريقيا فهي أقرب للتعاون مع “الإتحاد الأوراسي” بوجود البرازيل وجنوب أفريقيا في منظومة “البريكس”. فروسيا تعيد بعث إستراتيجيتها العظمى بعد ما عبثت الدول الغربية بالعالم خلال القرنين الماضيين، ولا مناص للسعودية من أن تبادر إلى المكان والمكانة لكي تكون. ختاماً، يتحتم على السعودية أن تقرأ المتغيرات المحلية، والإقليمية، والدولية، والعالمية، والكونية، بتمعن وتفكر وتجرد وحيادية، وإلا ستعاني السعودية من العزلة ثم الأفول فالتلاشي. حفظ الله الوطن.

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات